مجتمع

المغرب والقوة الناعمة

وتمكن المغرب في السنوات الأخيرة من مراكمة أصول مهمة من القوة الناعمة، انطلاقا من تاريخه العريق، وتنوعه الثقافي والحضاري، ورمزيته الدينية، وموقعه الاستراتيجي، وحضوره المتنامي بإفريقيا، ودبلوماسيته النشطة، فضلا عن السياحة والرياضة والثقافة والمجتمعات المغربية حول العالم. ولم تعد هذه العوامل مجرد مصدر جذب، بل تحولت إلى أدوات تأثير تساهم، إلى جانب الأنشطة الدبلوماسية، في تعزيز مكانة المغرب الدولية والمضي قدما نحو حل مشكلة الصحراء المغربية، من خلال توسيع دائرة الاعتراف الدولي بمكانة المغرب وتعزيز هذا الموقف على المستويين الإقليمي والدولي.

ولم يكن هذا التراكم نتيجة الصدفة، بل كان نتيجة عملية طويلة، كانت الدبلوماسية الملكية إحدى أبرز القوى الدافعة لها. ونجحت في توسيع نطاق التحركات الاستراتيجية للمغرب وتعزيز حضوره بإفريقيا وتنويع شراكاته الدولية وتعزيز مكانته كلاعب قادر على التحرك في آن واحد عبر الفضاءات الإفريقية والمتوسطية والأطلسية والعربية. وهكذا، فإلى جانب عناصر القوة المادية والاقتصادية، يتمتع المغرب بأصول تشمل الصورة والرمزية والثقة والشراكة والعلاقات الإنسانية والثقافية.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال القوة الناعمة في عدد التصنيفات أو الاتفاقيات الدولية أو حجم الحضور الدبلوماسي أو الإعلامي. إنها في الأساس قدرة الدولة على توليد الجاذبية والثقة والتأثير. ولذلك فهو يبدأ من الداخل قبل أن ينعكس إلى الخارج. إن الدولة التي تريد إقناع الدول الأخرى بنموذجها ونفوذها، عليها أولاً أن تقنع شعبها، وخاصة الأجيال الجديدة، بأن مستقبلهم يمكن بناؤه داخل وطنهم.

ومن هذا المنظور، فإن الأحداث الأخيرة في سبتة لها أهمية متزايدة خارج الحدود الوطنية والأبعاد الأمنية. أدى مشهد آلاف الشباب المغاربة المتوجهين إلى سبتة والمخاطرين بحياتهم للوصول إلى الجانب الآخر إلى هز صورة المغرب في الخارج. هذا المشهد الذي انتشر على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، لم يعد مجرد صورة لأشخاص يحاولون عبور الحدود، بل لجيل من الشباب الذين يبدو في وعيهم الخارجي أنهم يبحثون عن مستقبلهم خارج وطنهم.

وبغض النظر عن الأسباب المباشرة لهذه الأحداث أو تأثير الشائعات والمحتوى الرقمي والتحريض على التقاطعية، إلا أن تأثير هذه الصورة ظل قويا. لأنها كشفت عن مفارقة يصعب تجاهلها. لقد اكتسب المغرب صفات متقدمة من القوة الناعمة والحضور الدولي، وفي المقابل يخاطر الشباب المغربي بمغادرة المغرب بحثا عن آفاق أخرى.

وهذا لا يعني أن أحداث سبتة تنفي ما حققه المغرب، ولا يعني أنها تعكس فشلا ذريعا للدولة، ولا يعني أن كل من يسعى للهجرة يرفض وطنه ويفعل ذلك. فالهجرة ظاهرة معقدة، والجالية المغربية في الخارج تمثل في حد ذاتها أحد روافد القوة الناعمة السعودية. لكن هناك فرق بين الهجرة المبنية على الاختيار وتوسيع الآفاق، وبين مشهد جماعي يغلب عليه الشعور بالهروب من الواقع الذي لا يقدم ما يكفي من الأمل في عيون أصحابه.

وهنا تكمن أهمية قراءة أحداث سبتة على أنها أكثر من مجرد أزمة حدودية. ويشير هذا، أكثر من أي شيء آخر، إلى وجود فجوة محتملة بين الصورة التي راكمها المغرب في الخارج وكيف يرى بعض الشباب مستقبلهم في الداخل. هذه الفجوة، مهما كانت محدودة، تستحق القراءة سياسيا واجتماعيا، فالقوة الناعمة لا تستمد قوتها من الخارج فقط، بل تعتمد على مدى مطابقة الصورة الخارجية للتجربة الداخلية للسكان.

ومن هنا تنتقل المسؤولية إلى النخبة السياسية. وتمكن المغرب خلال السنوات القليلة الماضية من تحقيق إنجازات دبلوماسية مهمة وتعزيز حضوره الدولي، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في ترجمة هذه الإنجازات الخارجية إلى قوة داخلية متكاملة. ويمكن للدبلوماسية الملكية أن تفتح الأبواب، وتبني الشراكات، وتوسع مساحة التنقل، وتعزز صورة المغرب في الخارج. ولكنها وحدها لا تستطيع خلق الثقة الاجتماعية أو الإجابة على الأسئلة اليومية التي يعاني منها الشباب. وهذه مسؤولية السياسة العامة والمؤسسات والنخب السياسية.

وهنا تبرز المشكلة في البراغماتية المفرطة التي تسيطر على بعض أجزاء الممارسة السياسية. إن البراغماتية في حد ذاتها ليست هي المشكلة. فالسياسة تتطلب الواقعية والقدرة على إدارة المصالح والتوازن. لكن من المكبح أن يتم اختزال السياسة في حسابات انتخابية قصيرة المدى، عندما يتم إعطاء الأولوية للقضايا ذات المكاسب السياسية المباشرة على حساب الرؤية والملفات طويلة المدى التي تتطلب استثمارًا مستدامًا.

ومع اقتراب انتخابات سبتمبر/أيلول 2026، يبدو أن النقاش السياسي يتجه مرة أخرى نحو القضايا التي من المرجح أن يتم استغلالها بشكل مباشر في الانتخابات، وخاصة القوة الشرائية والأسعار وتكلفة المعيشة. هذه قضايا حقيقية ومشروعة، ولا يمكن الاستهانة بأهميتها بالنسبة لشعبنا. ولكن المشكلة هي أنه في حين تهيمن هذه القضايا على المناقشة، فإن القضايا الأعمق المتعلقة بمستقبل الشباب غائبة إلى حد كبير، وكأن مشاكل جيل كامل من الممكن تأجيلها إلى ما بعد حصولهم على حق التصويت.

لا يريد الشباب معرفة كيف ستنخفض أسعار اللحوم وكيفية مكافحة ظاهرة الهشاشة فحسب، بل يريدون أيضًا بناء حياتهم الخاصة. إنهم يريدون جامعات أكثر ارتباطاً بسوق العمل، وتعليماً يوسع آفاقهم، وفرصاً مهنية جيدة الصياغة، ومساحة للمبادرة والابتكار، وإمكانيات حقيقية للتقدم الاجتماعي، والتوزيع العادل للفرص، ومؤسسات حيث يشعرون بأن هناك من يستمع إليهم ويستجيب لتطلعاتهم.

ومع ذلك، سيكون من المبالغة في التبسيط إلقاء اللوم في هذه الفجوة على النخب السياسية فقط. ويتحمل الشباب أنفسهم أيضًا بعض المسؤولية، مهما كانت صغيرة، عن واقعهم السياسي. إن الامتناع عن المشاركة في الانتخابات، والرضا بالمشاركة السياسية المؤقتة التي تهيمن عليها الأهداف الضيقة والمصالح قصيرة المدى، والغياب شبه الكامل عن النقاش العام، كلها أفعال تترك فراغاً يمكن أن تستفيد منه السياسة قصيرة المدى.

ولا يمكن أن تكون المشاركة السياسية موسمية، ولا أن تقتصر على التعبير عن الغضب لحظة التصويت أو على شبكات التواصل الاجتماعي. يتطلب التأثير على السياسة العامة وصنع القرار الحضور المستمر والمشاركة الواعية والقدرة على التنظيم والدعوة واقتراح البدائل. وبالتالي فإن إعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات لا تقع على عاتق الدول والنخب السياسية فحسب، بل تقع أيضا على عاتق الأجيال المدعوة إلى الانتقال من مواقف المتلقين والمنتقدين إلى مواقف الجهات الفاعلة والشركاء في تشكيل المستقبل.

وفي هذا الصدد، فإن عدم وجود برنامج سياسي واضح ومقنع للشباب، مقابل عزوف بعض الشباب عن المشاركة في الحياة السياسية، قد يؤدي إلى حلقة مفرغة تعمل فيها النخب التي لا تشعر بالضغط السياسي الكافي لإعطاء الأولوية لقضايا الشباب، والشباب الذي يشعر أن السياسة لا تستجيب لها، على تعميق ابتعادها عن السياسة. وكلما اتسعت هذه الدائرة، كلما تعمقت الفجوة بين المجتمع والنظام.

وتصبح هذه الفجوة أكثر حدة في عصر حيث تستطيع شبكات التواصل الاجتماعي تحويل المظالم الفردية بسرعة إلى تعبير جماعي. وأظهرت أحداث سبتة أنه عندما تتقاطع مشاعر الإحباط مع المقارنات اليومية مع العالم الخارجي وقوة المحتوى الرقمي، فإنها يمكن أن تنتقل بسرعة من مستوى العاطفة الفردية إلى العمل الجماعي. لذلك، لا ينبغي تفسير الاحتجاجات الشبابية الكامنة على أنها نتيجة مباشرة للبطالة وارتفاع الأسعار فحسب، بل يجب أيضًا تفسيرها كمؤشر على طبيعة العلاقة التي ستتشكل بين الأجيال الجديدة والوطن والمستقبل.

وهنا يظهر تناقض جوهري. كلما نجح المغرب في تعزيز صورته الخارجية، كلما كان مطلوبا منه تقليص المسافة بين تلك الصورة والتجربة اليومية لشعبه. إن القوة الناعمة، التي ليس لها امتداد محلي، تظل قوة منقوصة، والصورة الدولية التي يشعر المواطنون أنها لا تنعكس في حياتهم اليومية قد تكون عُرضة للتأثير عند أول أزمة تكشف هذه الفجوة.

ومن هذا المنظور، يصبح التعليم قوة ناعمة، والجامعات تصبح قوة ناعمة، والثقافة تصبح قوة ناعمة، والعدالة الإقليمية تصبح قوة ناعمة، ونوعية الحكومة تصبح قوة ناعمة، وتكافؤ الفرص تصبح قوة ناعمة، والثقة في المؤسسات تصبح قوة ناعمة. وبدلا من ذلك، فإن قدرة الشباب على الحصول على فرص عادلة لتطوير مساراتهم المهنية داخل وطنهم هي في نهاية المطاف جزء من القوة الناعمة للأمة.

وبالتالي فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه المغرب اليوم لا يتمثل في تحسين صورته في الخارج، بل في ترجمة إنجازاته الخارجية إلى مصداقية في الداخل. لقد نجحت الدبلوماسية الملكية في جمع أصول استراتيجية كبيرة، ولكن تقييم هذه الأصول يتطلب وجود نخب سياسية قادرة على إدراك أن القوة الناعمة ليست مجرد ملف دبلوماسي، بل إنها مشروع وطني يبدأ بالناس.

لذا فإن انتخابات سبتمبر/أيلول 2026 قد تكون أكثر من مجرد موعد جديد للانتخابات. وهذا سيختبر قدرة الطبقة السياسية على الانتقال من إدارة الحاضر إلى صناعة المستقبل، ومن الاستثمار في القضايا ذات المكاسب الانتخابية السريعة إلى بناء رؤية تستجيب للتغيرات العميقة التي يمر بها المجتمع، خاصة بين الشباب.

فالمهم ليس فقط كيفية الفوز بالانتخابات، بل أيضاً كيف يمكن للسياسة أن تستعيد قوتها في توليد الأمل. وإذا استمرت السياسة في التعامل مع الشباب باعتبارهم مجرد دوائر انتخابية بدلاً من النظر إليهم باعتبارهم أصولاً استراتيجية للدولة، فإن الفجوة بين المؤسسات وتطلعات الشباب سوف تتسع، مما يزيد من احتمالات تحول المظالم إلى احتجاجات، وتناقص الثقة تدريجياً في مستقبل الدولة، وهي واحدة من أهم ركائز القوة الناعمة في المغرب.

ومع ذلك، إذا نجحت النخب السياسية في التقاط رسالة سبتة وتحويل أزمة الحدود إلى فرصة لإعادة بناء العلاقات مع الشباب، فقد ينتقل المغرب من مرحلة تراكم القوة الناعمة إلى مرحلة الاستثمار الاستراتيجي. وبهذه الطريقة، يمكن للدبلوماسية والاقتصاد والثقافة والرياضة والتعليم والشباب أن يعملوا معًا في نظام واحد، مما يخلق جاذبية في الخارج وثقة في الداخل.

ولعل الخطوة التالية الأكثر إلحاحاً هي كيف سيحافظ المغرب على مكانته في مؤشرات القوة الناعمة. بل كيف تترجم هذه القوة في شعور الناس بأن مستقبلهم مرتبط بمستقبل الوطن؟ إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تراجع ترتيب المغرب في المؤشرات الدولية، بل في اتساع المسافة بين المغرب، الذي يرى العالم أنه في ارتفاع، وبين الشباب الذين لا يرون مستقبل المغرب مزدهرا أيضا.

وفي النهاية، فإن الاختبار الأكبر لقوة المغرب الناعمة قد لا يكمن في رأس المال الأجنبي، أو المؤتمرات الدولية، أو التصنيفات العالمية، بل في قدرته على البدء من الداخل وجعل شعبه، وخاصة الشباب، جزءا من قوته وليس مصدرا للخوف. إذا استطاع الشاب المغربي أن يرى مستقبلاً لنفسه في المغرب، فإن القوة الناعمة ستكون أقوى أدواته. وإذا نجح المغرب في بناء توازن الثقة هذا، فإن القوة الناعمة قد تصبح ليس فقط وسيلة لتعزيز صورة المغرب في العالم، بل أيضا واحدة من أهم أدواته في المستقبل لتحسين سلامته الإقليمية، بما في ذلك سبتة ومليلية وجميع الحدود المحتلة. ولكن إذا ظلت الإجابات معلقة، فقد تتحول صورة سبتة من مجرد لحظة عابرة إلى إنذار مبكر بأن القوة الناعمة، مهما بلغت قوتها في الخارج، قد تبدأ في التآكل من الداخل.

– أستاذ باحث في إدارة الموارد البشرية والذكاء الاستراتيجي
جامعة القاضي عياض، مراكش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button