مجتمع

مسيرة مع الضيوف – جمال العجماني: “السفر السياسي إلى المغرب يشوه تجربة الديمقراطية”

في حلقة جديدة من برنامج “السفر مع الضيوف” من العاصمة المغربية الرباط، انضم إلينا جمال العجماني، وزير التشغيل والتكوين المهني المغربي الأسبق والمستشار حاليا في مجال تعزيز الحوار الاجتماعي في عدد من دول البحر الأبيض المتوسط. وتطرق الضيف في هذه المقابلة إلى أهم محطات مسيرته الشخصية والسياسية، متوقفا عند التحول الذي شهده المغرب سياسيا عبر أزمة الثقة في الأحزاب السياسية.

اتخذ جمال عجماني عنوان مذكراته المنشورة مؤخرا، «مغرب اليوم ليس مغرب الأمس»، مدخلا للحديث عن التغيرات التي شهدها المغرب بين جيله والجيل الجديد. وأوضح الضيوف أن اختيار العبارة التي تعود إلى الزعيم الاشتراكي الراحل عبد الرحيم بوعبيد، يحمل رسالة أمل في الإصلاح والتغيير.

وأشار عجماني أيضا إلى أن الكلمات تعكس التحول الذي شهدته البلاد، في حين أنها تبعث أيضا برسالة إلى مناهضي الإصلاح مفادها أن المغرب يتغير وأن الطريقة التي يتعامل بها مع تجربته الديمقراطية يجب أن تتغير أيضا.

جيل جديد من المغاربة بتطلعات مختلفة

وسلط الوزير المغربي الأسبق الضوء على الفوارق بين جيله والجيل المغربي الحالي، مذكرا بالتغيرات الكبيرة التي طرأت على المجتمع ووسائل التواصل والانفتاح على العالم، وما يقابلها من تغيرات في تطلعات وطموحات الشباب.

وفي هذا السياق، قال إن “الجيل الحالي من الشباب المغربي لديه تطلعات جديدة”، معتبرا أن على المغرب أن يبذل جهودا كبيرة لتلبية تطلعات هذا الجيل الذي ينظر إلى المكتسبات المتحققة في ضوء مختلف عن الأجيال السابقة.

وتذكرت العجماني جزءا من طفولتها التي قضتها في أسرة فقيرة بالعاصمة الرباط. وهناك عمل والدها سائق سيارة أجرة وعملت والدتها خياطة واستفادت من برنامج محو الأمية. ورغم قدراته المحدودة، كان التعليم أولوية قصوى في عائلته، وهو يصف تلك المرحلة.

يقول: “كانت إحدى سمات جيل آبائنا وأمهاتنا هو الاهتمام بتعليم أبنائهم”، مذكراً بالدور الذي لعبه والديه في ضمان استمرار أطفالهم الستة في دراستهم والتحاقهم بالجامعة.

الجامعة المغربية “مدرسة النخبة للتكوين”

ومن عائلته إلى جامعته، ذكر السيد العجماني أنه درس لسنوات طويلة بجامعة محمد الخامس بالرباط، في وقت كان عدد الجامعات المغربية محدودا، وكانت الجامعات تشكل ملتقى للنقاش الفكري والسياسي والثقافي.

جمال العجماني ناشط في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ويعتقد أن تجاربه لعبت دورا مهما في تشكيل أجيال من المسؤولين والنخب المغربية.

وقال إن “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب كان مدرسة حقيقية”، مؤكدا أن المدرسة لم تنشئ نخبة سياسية فحسب، بل ساهمت أيضا في تكوين نخب نقابية وثقافية وإدارية وإعلامية.

ويرى الفدرالي السابق أن تراجع هذا الدور ترك أثرا واضحا على المجال العام، معتبرا أن غياب هذه المدرسة خلال السنوات القليلة الماضية ساهم في تراجع صناعة النخبة التي يحتاجها المغرب اليوم.

عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي: قادة سياسيون يصعب تقليدهم

وفي معرض حديثه عن القادة السياسيين المغاربة الذين ميزوا جيله، أشار السيد العجماني إلى أن الظروف التاريخية التي أنتجت هؤلاء القادة تختلف كثيرا عن الوضع الحالي، وأشار إلى شخصيات بارزة في الحركات الوطنية والأنشطة السياسية، خاصة عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمن اليوسفي.

وأضاف أنه “من الصعب اليوم خلق نخب مثل عبد الرحمن اليوسفي وعبد الرحيم بوعبيد وغيرهم من القادة الوطنيين”، مشيرا إلى أن هذه الشخصيات مرت بمراحل الحركات الوطنية والاستقلال وبناء الأمة وتعزيز الاختيار الديمقراطي.

وكانت لشهادة الوزير السابق عبد الرحمن اليوسفي مكانة خاصة. ورأى عجماني أن اليوسفي حقق انتقالا مهما من المعارضة إلى المشاركة في الشأن العام، مؤكدا أن “التاريخ أثبت أن عبد الرحمن اليوسفي من أبرز رؤساء الوزراء في تاريخ المغرب”.

وعلى المستوى الأكاديمي والفكري، توجه العجماني إلى أستاذه عالم الاجتماع الراحل محمد جاسو. درس معي في الجامعة، ثم التقينا فيما بعد عبر أنشطة سياسية وجماعية. وأضاف أن “محمد جاسو يعتبر فعليا أحد مؤسسي المدرسة المغربية في علم الاجتماع”، مذكرا بتأثيره على أجيال من الطلبة والباحثين.

السياسة في عصور مختلفة

تعود البدايات السياسية للسيد أغوماني إلى طفولته، عندما انضم إلى رابطة الشباب الفيدرالية في منتصف السبعينيات. نشأ بحي الكبيبات بالرباط. وعرفت المنطقة بتعاطفها مع تحالف القوى الوطنية ومن ثم التحالف الاشتراكي، حتى تُرجم ذلك التعاطف إلى مشاركة سياسية فعلية.

ووصف أجوماني المرحلة آنذاك بأنها مختلفة جذريا عن اليوم، قائلا: “كنا نعيش مرحلة صعبة من النضال السياسي”، خاصة بالنسبة للشباب الذين اختاروا الانتماء إلى أحزاب يسارية.

وعلى الرغم من الاختلافات الشاسعة بين المغرب آنذاك والمغرب اليوم، يعتقد أجماني أن التغيير لم يصل بالضرورة إلى المستوى الذي كانت تأمله أجيال من الناشطين، خاصة عندما يتعلق الأمر ببناء مؤسسات ديمقراطية قوية تتمتع بثقة الجمهور.

من حزب معارض إلى منصب مسؤول

شكلت هذه التجربة الحكومية علامة فارقة أخرى في مسيرة الوزير السابق جمال أغماني، الذي كان مسؤولا عن حقيبة التشغيل والتدريب المهني من 2007 إلى 2012. وقد دفعه انتقاله إلى الوزارة إلى مواجهة أسئلة أخرى. وكان السؤال هو كيفية ترجمة الأفكار والمطالب السياسية والاجتماعية إلى أفعال من موقع مسؤول.

ومنذ توليه منصبه، كان الوزير المغربي الأسبق مهووسا برؤية ما يمكن تحقيقه في مجال التشغيل والتكوين المهني، مذكرا باللحظة: “أنا اشتراكي ديمقراطي، أنا اشتراكي، ماذا يمكنني أن أفعل؟”

وبحسب شهادته، فإن خمس سنوات من المسؤولية الحكومية تطرح تحديات وفوائد، خاصة في المجالات التي تتقاطع فيها مطالب النقابات والعمال مع توقعات أصحاب العمل، مما يجبر المسؤولين على البحث باستمرار عن التوازن بين مختلف الأطراف.

10 سنوات من الخبرة في مجال العدالة والتنمية الحكومية.

وانتقل الحوار إلى المشهد السياسي المغربي عام 2011، عندما صعد حزب العدالة والتنمية إلى رئاسة الحكومة. وامتدت هذه التجربة لعشر سنوات وشكلت مرحلة مهمة في الحياة السياسية المغربية.

وفي تقييمه للنتائج، قال أغوماني “خلال 10 سنوات لم تصل النتائج إلى مستوى التوقعات المطروحة على حزب العدالة والتنمية”، مذكرا بالملفات الكثيرة التي أثيرت في تلك المرحلة، بدءا من إصلاح المعاشات التقاعدية وتصفية الأموال إلى التعليم. وبالنسبة للوزير السابق، كانت 10 سنوات في منصب مسؤول وقتا كافيا لتحقيق نتائج أكبر مقارنة بالتوقعات العالية التي جاءت مع تشكيل حكومة الحزب.

ظاهرة الهجرة السياسية بالمغرب

وكانت أزمة الثقة بين الجمهور والأحزاب السياسية من أبرز القضايا التي ناقشتها هذه الحلقة، خاصة قبل الانتخابات البرلمانية المقبلة أواخر سبتمبر 2026. وأشار السيد عجماني إلى ظاهرة السياحة السياسية وانتقال بعض المرشحين من حزب إلى آخر.

وفي هذا الصدد، يرى أن “الميوعة السياسية أصبحت غير مقبولة في المغرب وتعطل التجربة الديمقراطية”، لافتا إلى أنه من الصعب على الشعب أن يفهم أن المرشحين الذين ترشحوا بلون سياسي واحد في الانتخابات السابقة سيتحولون إلى لون مختلف في الانتخابات المقبلة.

وبحسب عجماني، فإن هذه الممارسات تشوه صورة النشاط السياسي وتضعف مصداقيته، لذا فإن الإصلاحات في المجال السياسي والحزبي ضرورية إذا أراد الفاعلون السياسيون استعادة دورهم وثقة الجمهور.

ومع اقتراب موعد الحملة، أعرب السيد عجماني عن أمله في أن تكون الحملة فرصة لإعادة ربط الناس بالحياة السياسية، قائلاً: “آمل أن تكون الحملة فرصة لتعبئة الناس باستخدام أساليب وأدوات عادلة وخطاب وبرامج شفافة”.

التدريب المهني وجذب الاستثمار

وأعرب السيد عجماني عن اعتزازه بالعديد من المشاريع والمقاربات التي قام بها خلال فترة وجوده في الحكومة، خاصة في مجال التكوين المهني وربط التكوين باحتياجات القطاعين الاقتصادي والاستثماري. كما استشهد بتجربته في التكوين المهني المتعلق بصناعتي السيارات والطيران، معتبرا توفر الموارد البشرية المؤهلة عاملا هاما في زيادة جاذبية المغرب للشركات والاستثمارات الأجنبية.

وقال السيد عجماني إن أحد الأسباب الرئيسية لمثل هذه الاستثمارات الأجنبية في المغرب هو “التكوين والتطوير”، في إشارة إلى المشاريع المتعلقة بالتكوين لفائدة قطاع السيارات وصناعة الطيران. كما تحدثت عن دمج مقاربات النوع الاجتماعي داخل الوزارة وتطوير حضور المرأة في مواقع المسؤولية، قائلة “عندما التحقت بالوزارة كان هناك مديرة واحدة من أصل ثمانية في الوزارة، وعندما غادرت كانت أربع من أصل ثمانية نساء”.

الحوار الاجتماعي وبناء مغرب الغد

وخصصت خاتمة الحلقة لمجال تعزيز الحوار الاجتماعي، حيث يواصل جمال العجماني عمله مستفيدا من تجربته في المغرب حيث أجرى مشاورات في العديد من الدول العربية.

ويعتبر الوزير المغربي الأسبق تجربة المغرب في هذا المجال فريدة من نوعها، مؤكدا أن “المغرب من الدول العربية المتميزة المهتمة بالحوار الاجتماعي كأداة لبناء التوافق بين الأطراف الاجتماعية”.

وفي رأيه، أصبح إضفاء الطابع المؤسسي على الحوار الاجتماعي أمرا ضروريا، ويتعين على النقابات العمالية وأصحاب العمل والحكومات التعامل معه ليس فقط كآلية ظرفية للتعامل مع الأزمات، ولكن كجزء لا يتجزأ من إدارة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.

ونظرا للتغيرات التي يشهدها عالم الشغل والتحديات التي تفرضها الثورة الصناعية الرابعة، يرى جمال أغماني أن الحوار بين مختلف الأطراف سيصبح أكثر أهمية في المرحلة المقبلة ويدعو إلى اعتبار الحوار “أحد الأدوات الأساسية لبناء التوافق وبناء مغرب الغد”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button