سياسة

القانون المغربي: هل تغير “السياحة السياسية” الخريطة السياسية؟

من الانتخابات البرلمانية بالرباط 8 سبتمبر 2021 (جلال مرشدي/الأناضول)

عادت ظاهرة “البدوية السياسية” إلى الواجهة في المغرب مع اقتراب يوم الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في 23 سبتمبر/أيلول المقبل، لكن الأيام الأخيرة شهدت احتدام الصراعات الحزبية الرامية إلى استقطاب مسؤولين وقيادات منتخبة من تنظيم سياسي إلى آخر من أجل تأمين أكبر عدد ممكن من مقاعد مجلس النواب المقبل (المجلس الأول للبرلمان المغربي).

أصبحت الرحلات السياسية إلى المغرب جزءا من الحملة الانتخابية والروتين السياسي للعديد من النواب الذين لا يجدون حرجاً على الإطلاق في تغيير انتمائهم الحزبي في كل فرصة من أجل تأمين ترشحهم وتأمين مقعد في البرلمان، لكن مجلس العموم يشهد نشاطاً سياسياً مع اقتراب يوم الانتخابات، مع استقالات من أحزاب فئة الأغلبية وإعلان مقاعد شاغرة. وبلغ عدد الرحلات السياسية 31 رحلة.

في موازاة ذلك، بدا لافتاً أن حرباً مفتوحة اندلعت بين المؤتمر الوطني الليبرالي (زعماء الائتلاف الحكومي الحالي) وحليفه الأغلبية حزب الحداثة الأصيل، خاصة من أجل استقطاب المرشحين، وما رافقها من اتهامات متبادلة حول تقنيات الاستقطاب والسفر السياسي. وأعرب المكتب السياسي للحزب الليبرالي عن “قلقه العميق” إزاء محاولات إقناع والضغط على نواب الحزب والمسؤولين المنتخبين وقادة المجتمع، قائلا إن هذه التصرفات تتجاوز حدود المنافسة السياسية الطبيعية، في إشارة إلى ترشيحات الحزب المعلنة سابقا للانتخابات المقبلة. من ناحية أخرى، رأى حزب الحداثة الحقيقية أن النقل السياسي حق مكفول ودافع عن إضافة العديد من الأسماء إلى عضوية الحزب ردا على هذه الاتهامات.

المغرب و”الحرب القطبية”

أصبحت “حرب الاستقطاب” بين الحزبين المرشحين في صدارة الأوساط الحزبية بالمغرب منذ 23 سبتمبر الماضي، من أبرز العناوين في الأوساط السياسية عشية بدء الإعلان عن المرشحين للانتخابات المقبلة، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت ظاهرة الهجرة السياسية ستعيد تشكيل الخريطة السياسية خلال انتخابات ما بعد 2026.

جواد الشاهدي: التنافس الحزبي أصبح معركة على المرشحين القادرين على الفوز بالأصوات والمقاعد

وفي هذا السياق، قال جواد الشفدي، مدير المرصد المغربي للمشاركة السياسية (منظمة غير حكومية)، إن العودة القوية للسياحة السياسية مع اقتراب انتخابات 2026 تظهر أن بعض التنافس بين الأحزاب السياسية يتحول من الاقتتال على السياسات والنتائج إلى الاقتتال على استقطاب مرشحين قادرين على جلب الأصوات والمقاعد. وقال الشاهدي في حديث لـ”العربي الجديد”: “كلما اقتربنا من صناديق الاقتراع، كلما زادت قيمة النواب والمسؤولين المنتخبين ذوي الجذور والشبكات المحلية”.

وأشار إلى أنه في حين أن نقل الممثلين المنتخبين ذوي الثقل المحلي يمكن أن يغير ميزان القوى في بعض الدوائر الانتخابية، إلا أنه وحده لن يعيد تشكيل الخريطة السياسية للبلاد، موضحا أن انتخابات 2026 ستحددها مجموعة من العوامل، على رأسها القوة المؤسسية والامتداد الإقليمي، ونوعية الترشيحات، والنتائج، والنقاش السياسي، والقدرة على التعبئة في يوم التصويت. وأضاف: “لا ينبغي النظر إلى كل التحولات الحزبية على أنها أفعال انتهازية، إذ قد تكون هناك خلافات سياسية وتنظيمية حقيقية وراءها. لكن عندما يحدث التحول بعد أسابيع من الانتخابات، ثم يترشح مرشح عن حزب مختلف، يصبح من المشروع أن نتساءل عما إذا كنا أمام خلافات سياسية أو حسابات تتعلق بالترشيحات وتأمين المقاعد”.

مخاطر السفر السياسي بالمغرب

وأعرب عن اعتقاده بأن أخطر جوانب السفر السياسي في المغرب لا يكمن فقط في تأثيره المحتمل على توزيع المقاعد، بل أيضا في تأثيره على ثقة الجمهور في الأحزاب السياسية ومعنى الانتماء الحزبي نفسه. وأعرب عن اعتقاده أنه إذا أصبح المرشحون “قيمة انتخابية سائلة” بين المنظمات، فإن الحدود السياسية بين المنظمات ستصبح أكثر بعدًا في نظر الناخبين، مما قد يعزز فكرة أن المنافسة تدور حول الأشخاص والمقاعد وليس حول المشاريع والأفكار. ولذلك رأى الشاهدي أن التحدي الحقيقي بعد 2026 هو بناء أحزاب سياسية تنتج النخب وتديرها وتديمها، لأن الخرائط السياسية المستدامة لا تصنعها الفصول المتغيرة، بل الثقة والتنظيم والمشاريع السياسية.

مصطفى عنترة: السفر السياسي قد يؤدي إلى إعادة توزيع الوجوه والمرشحين ضمن الخريطة الحزبية الواحدة

وأعرب مصطفى عنترة، الباحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري، عن اعتقاده بأن ظاهرة الهجرة السياسية في المغرب لا ينبغي أن تقتصر على مجرد انتقال الممثلين المنتخبين من حزب إلى آخر بحثا عن فرص ترشح أفضل، بل ينبغي النظر إليها على أنها عرض من أعراض أزمة عميقة تؤثر على بنية النشاط الحزبي وطبيعة المنافسة الانتخابية. وأوضح عنترة أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الأحزاب السياسية في كثير من الأحيان لم تعد تضع ضوابط سياسية وأيديولوجية وحتى أخلاقية واضحة على عملية الاستقطاب، لافتا إلى أنه بالنسبة للعديد من الأحزاب السياسية، أصبح هاجس الانتخابات بحثا عن المشاهير والفاعلين المحليين والشخصيات الأساسية التي تمتلك المال والنفوذ وشبكات العلاقات والقدرة على جلب الأصوات والمقاعد.

وقال: «من الآن فصاعدا، تصبح خريطة الأحزاب ما قبل الاقتراع مشابهة إلى حد كبير لـ«السوق السياسي»، حيث ينتقل المسؤولون المنتخبون والمرشحون، وأحيانا القادة، من حزب إلى آخر وفقا لحسابات انتخابية وسياسية، وليس وفقا للمعتقدات أو البرامج أو المعايير السياسية». وتابع: “الأخطر من ذلك هو أن هذه الظاهرة لم تعد تقتصر على المسؤولين المنتخبين المحليين وأعضاء الكونغرس، بل تمتد في بعض الحالات إلى القادة داخل الهيئات التنفيذية للأحزاب السياسية. وهذا يعكس درجة من السيولة السياسية، حيث أصبحت الانتماءات الحزبية نفسها أكثر عرضة لإعادة التموضع مع اقتراب الانتخابات”.

ورأى أن السفر السياسي لن يعيد بالضرورة تشكيل الخريطة السياسية بناء على تغيرات فعلية في اتجاهات الناخبين، بل قد يؤدي بدلا من ذلك إلى إعادة توزيع الوجوه والمرشحين داخل الخريطة الحزبية نفسها. وقال عنترة لـ”العربي الجديد”: “بعد انتخابات المغرب 2026، قد نشهد خريطة حزبية تبدو مختلفة في تركيبتها وأسمائها، لكن ذلك لا يعكس بالضرورة تغيرا كبيرا في التوجهات الاجتماعية أو طبيعة المشاريع السياسية المتنافسة”. وأشار إلى أن هذا الجانب يعد أخطر ظاهرة الهجرة السياسية. وذلك لأن استمرار «السوق السياسي» يساهم تدريجياً في إفراغه من مضمون الانتماء الحزبي، مما يجعل الأحزاب السياسية، في نظر الناس، مجرد وسيلة للوصول إلى البرلمانات ومواقع المسؤولية، وليس إطاراً سياسياً وإطاراً للتشكيل والمشاركة وخلق البدائل. وتساءل: «إذا كان بعض المرشحين قادرين على تغيير انتمائهم الحزبي من حزب إلى آخر دون تغيير جذري في خطابهم أو مواقفهم أو معتقداتهم، فكيف يمكن إقناع الجمهور بأهمية الاختيار الانتخابي؟ إن هذه الممارسة تقوض بشدة مصداقية العمل السياسي.

وقال إن النتيجة الطبيعية لذلك هي عزوف أكبر عن المشاركة في السياسة، خاصة بين الأجيال الجديدة التي لديها، بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، قدرة متزايدة على مقارنة وتتبع مواقف السياسيين وتوجهاتهم واتجاهاتهم. وفي رأيه، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه انتخابات 2026 لا يتمثل فقط في معرفة الأحزاب التي ستفوز بأكبر عدد من المقاعد، بل ما إذا كانت هذه الانتخابات ستنجح في استعادة السياسة كمنافسة بين المشاريع والبرامج، أو ما إذا كانت ستكرّس منطق الأشخاص والمشاهير وسياحة الحملات الانتخابية. وأضاف “إذا استمر هذا المنطق، فقد نواجه خريطة سياسية جديدة من حيث الأسماء والمواقع، لكنها قديمة من حيث الممارسة والمنطق”، مؤكدا أن إعادة بناء الثقة في السياسة تتطلب أطرافا قوية ذات أسس واضحة يمكن جذبها على أساس القدرات والمعتقدات والسياسات، وليس فقط المال والنفوذ والقدرة الانتخابية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button