مجتمع

كيف تغلبت قوة المغرب الناعمة على “عقدة الخواجة”؟ سمر القاسم | ميو

في العالم العربي، غالبا ما يتم تفسير الانجذاب إلى النماذج الغربية وتفضيل المنتجات الأجنبية بما يعرف عادة باسم “عقدة الخواجة”. وهذا تفسير يبدو مناسباً لأنه يختزل المشكلة إلى تصرفات فردية ويتجنب السؤال الأكثر حساسية حول ما فعلته الدولة في المقام الأول لضمان ثقة المواطنين في ما أنتجته بلادهم.

فالثقة لا تبنى بالشعارات، ولا تفرضها الخطابات القومية أو الحملات الإعلانية العاطفية للمنتجات المحلية. يتم بناء الثقة عندما تكون الدولة قادرة على الإنتاج والمنافسة ويكون لها حضور في الاقتصاد العالمي. وبدون هذه القدرة، يصبح الخارجي تلقائياً هو معيار الجودة والقوة. ولا يرجع ذلك إلى “عقدة نفسية”، بل لأن الاقتصاد نفسه يفرض منطقا بعيدا عن اللغة الأيديولوجية.

لكن اختزال هذه المسألة في الاقتصاد وحده يظل تفسيرا ناقصا، إذ لا تبنى ثقة الناس داخل المصنع فحسب، بل أيضا من خلال الاستقرار السياسي، واستمرارية المؤسسات، وقوة الهوية الثقافية، وحداثة المجتمع، وكيفية تفاعله مع العالم الخارجي.

والتجربة المغربية هنا على وجه الخصوص تبدو مختلفة عن كثير من التجارب العربية.

إن المغرب لم يشن حرباً خطابية ضد الغرب، ولم يرفع شعار “الاستقلال الكامل” المثير للانقسام. بل لقد اختار مساراً أكثر لطفاً وواقعية منذ مرحلة مبكرة. يتعلق الأمر ببناء اقتصاد منتج مع الحفاظ على التماسك الوطني واستمرارية الهوية والانفتاح دون الشعور بالتهديد من بقية العالم.

منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، بدأت الرباط تتحرك وفق رؤية تراكمية بعيدة كل البعد عن الصخب السياسي الذي ميز الكثير من التجربة العربية.

ولم يكن الهدف خلق خطاب شعبوي حول السيادة الاقتصادية، بل إعادة وضع المغرب كشريك منتج في الاقتصاد العالمي، وليس مجرد سوق استهلاكية.

لكن هذا التحول لم يكن اقتصاديا فحسب. لقد لعبت الملكية المغربية، باعتبارها مؤسسة توسعية تاريخياً، دوراً مهماً في توفير درجة من الاستمرارية والاستقرار للدولة والمجتمع، مما مكنها من إدارة التغيير دون انهيار خطير أو تمزق جوهري.

لقد تشكلت الهوية المغربية نفسها تاريخيًا بطريقة مختلفة نسبيًا عما كانت عليه في العديد من البيئات العربية، حيث ظل المغرب فضاءً مفتوحًا للتأثيرات الأندلسية والإفريقية والمتوسطية والأوروبية دون أن يفقد إحساسه الثقافي الفريد بذاته. وقد أدى هذا الانفتاح التاريخي إلى خفض التوترات مع العالم الخارجي وزيادة قدرتنا على التفاعل معه دون الاندماج فيه.

وحتى تحديث المغرب لم يظهر كمشروع للقضاء على الهوية، بل كعملية تدريجية لدمج المحلي والعالمي. لذلك لم يشعر المجتمع بأنه مجبر على الاختيار الحاد بين الأصالة والانفتاح.

وهنا الفرق الحقيقي. إن البلدان المنفتحة على العالم كأسواق تتحول تدريجياً إلى اقتصادات تابعة تستورد أكثر مما تنتج وتستهلك أكثر مما تصدر. وبالنسبة للدول التي تستخدم الانفتاح كأداة لنقل التكنولوجيا والتنمية الصناعية والدخول في سلاسل الإنتاج العالمية، فإن علاقاتها مع العالم الخارجي ستكون أكثر توازنا وستكون قادرة على فرض مصالحها.

وهذا ما كان المغرب يحاول أن يفعله طوال العشرين سنة الماضية. وبدلا من الاقتصار على القطاعات التقليدية، اتجهت الرباط نحو بناء قاعدة صناعية ترتبط ارتباطا مباشرا بالاقتصاد العالمي، لا سيما في صناعات السيارات والطيران والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية.

واليوم، لم يعد المغرب مجرد مستورد للسيارات الأوروبية، بل أحد أبرز مراكز تصنيع السيارات في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، مع وجود كبرى الشركات العالمية التي تختار الاستثمار في المملكة بسبب البنية التحتية التي تتمتع بها البلاد واستقرارها ورؤيتها طويلة المدى.

الأمر نفسه ينطبق على قطاع الطيران، حيث تحولت السعودية تدريجيا إلى منصة صناعية مرتبطة بسلاسل الإنتاج الأوروبية من خلال نقل الخبرات والتكنولوجيا والتدريب المتخصص.

لكن تأثير هذه التغييرات تجاوز الاقتصاد نفسه. فبينما يرى المواطنون بلادهم تصنع وتصدر وتنافس في الأسواق العالمية، فإن علاقتهم بفكرة “التفوق الأجنبي” تتغير تدريجيا. لكن هذه الثقة الجديدة لم تقم على المصانع والموانئ فحسب، بل أيضا لأن المجتمع المغربي كان يمتلك في الأصل درجة من التماسك الثقافي والاستمرارية الرمزية التي سمحت له باستيعاب الحداثة دون أن يفقد إحساسه بذاته.

ولهذا السبب لا يبدو أن “عقدة الخواجة” موجودة كثيرًا في السياق المغربي الحديث. وهذا ليس لأن المغرب خاض حرباً ثقافية مع الغرب أو دخل في صراع إيديولوجي حول الهوية، بل لأنه اختار مساراً مختلفاً: بناء القوة بهدوء، وربط الانفتاح بالإنتاج والحداثة بالحفاظ على الذات.

فالأجنبي في النموذج المغربي لم يعد «الخواجة» المتفوق الذي يستهلك ما ينتج فحسب، بل أصبح مستثمرا وشريكا في منظومة الإنتاج المحلي، يفرض حضوره شيئا فشيئا.

وهذا يفسر أيضًا نجاح المغرب في تحويل التراث المحلي إلى أداة للقوة الناعمة. ولم يعد القفطان المغربي مجرد لباس تقليدي، بل تحول إلى علامة ثقافية عالمية تنقل الهوية المغربية في المهرجانات والمحافل الدولية. لا تزال الحرف اليدوية المغربية التقليدية تشكل جزءا قويا من الحياة اليومية، من الموضة إلى الديكور والهندسة المعمارية والطعام وفن الضيافة.

وفي هذه المرحلة بالذات، يظهر الفرق بين الدولة التي تندمج ثقافياً أمام النموذج الغربي والدولة التي تنجح في استيعاب العالم الخارجي في نظامها الثقافي الخاص. وفي المغرب، لا يبدو أن المجتمع يحاول تقليد «الخواجة»، بل يحاول «الخواجة» أنفسهم الدخول إلى فضاء ثقافي مغربي متماسك وغني ومؤثر.

وحتى السياحة المغربية لم تكن مبنية على المناخ والطبيعة فحسب، بل على تصدير تجربة ثقافية كاملة: المطبخ المغربي، والرياض التقليدية، والأسواق القديمة، والهوية البصرية للمكان. بمعنى آخر، لم يكن المغرب يحاول جذب السياح فحسب، بل كان يحاول أيضًا ترك “أثر المغرب” في ذاكرة السياح الأجانب.

وقد انعكس هذا المنطق نفسه في السياسة الخارجية. على مدى العقدين الماضيين، لم يتصرف المغرب كدولة تسعى إلى الاعتراف أو الشرعية، بل كدولة تسعى بهدوء إلى تعزيز مكانتها في التوازن الدولي. ولذلك فضلت الرباط الابتعاد عن المشاعر السياسية والشعارات الإقليمية المؤقتة وإدارة العلاقات وفق منطق المصالح طويلة المدى.

ويجسد مشروع ميناء طنجة المتوسطي هذه الرؤية بأفضل طريقة. ولم يكن الميناء مجرد مشروع بنية تحتية، بل كان جزءا من رؤية استراتيجية لإعادة تحديد موقع المغرب في حركة التجارة العالمية وتحويله إلى عقدة لوجستية تربط أوروبا بالأسواق الإفريقية والأطلسية.

وفي الوقت نفسه، تحول المغرب إلى أفريقيا بمنطق اقتصادي عملي من خلال الاستثمارات في الخدمات المصرفية والطاقة والزراعة والبنية التحتية، ساعيا إلى بناء شبكة من النفوذ الاقتصادي تربط المملكة العربية السعودية برأس المال الأوروبي والموارد الأفريقية.

وقد أعطى هذا التوسع الاقتصادي للدبلوماسية المغربية وزناً مختلفاً، يعتمد على الربح بدلاً من الخطابة.

إن ما يميز تجربة المغرب في نهاية المطاف ليس ادعاءه بامتلاك معجزة اقتصادية كاملة، بل قدرته على إدارة التغيير بعقلية هادئة وتراكمية.

يبدو أنه لا يوجد في السياسة المغربية ما يرتكز على قفزات جذرية أو شعارات كبرى، بل على إعادة تموضع تدريجي داخل ميزان القوى الدولي وبناء صورة لبلد يعرف كيف يجمع الجغرافيا والهوية والمؤسسات والاقتصاد معًا.

ولكن التحدي الحقيقي الذي يواجه أي نموذج تنموي لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات والموانئ والمصانع، بل بمدى قدرة هذه التغييرات على تحسين نوعية الحياة البشرية ذاتها. التنمية لا تتعلق فقط بالنمو أو أرقام التصدير، بل تتعلق بتنمية السكان الذين يشعرون أن البلاد توفر إمكانيات للتعليم وفرص العمل والكرامة والتقدم الاجتماعي.

وهنا تبدو التجربة المغربية أمام اختبارها الأهم. بل يتعلق الأمر بترجمة النجاح الاقتصادي إلى تنمية بشرية أوسع نطاقا وأكثر إنصافا، والحد من الفوارق الاجتماعية والمكانية، وإعطاء الشباب شعورا أكبر بالانتماء إلى المشروع الوطني نفسه.

ولكن يبدو أن المغرب قد فهم المعادلة الأساسية في وقت مبكر، وهو الأمر الذي كان مفقوداً في الكثير من التجربة العربية. إن احترام الأمة لا يكتسب بالتحدث بصوت عالٍ، بل ببناء مؤسسات مستقرة، واقتصاد منتج، وهوية واثقة، ومجتمع قادر على التفاعل مع العالم دون خوف أو شعور بالنقص. إن الاحترام في عالم اليوم لا يأتي من الشعارات، بل من خلال القدرة على خلق القيمة.

ويبدو أن المغرب قد اختار هذه المعركة بالذات للابتعاد بهدوء عن الضجيج.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button