ستستضيف منح فولبرايت 24 أمريكيًا وترسل 50 مغربيًا إلى المغرب

كوسار بهجوال
في 2 سبتمبر 2026، استضافت اللجنة المغربية الأمريكية للتبادل التربوي والثقافي والسفارة الأمريكية بالرباط 24 من الحاصلين على منحة فولبرايت الجدد الذين سافروا إلى المملكة العربية السعودية للقيام بمشاريع بحثية وتعليمية خلال السنة الأكاديمية 2026-2027، في إطار تعزيز التعاون الأكاديمي والثقافي بين المغرب والولايات المتحدة.
وبدأ المستفيدون برنامجا تكوينيا مكثفا بالعاصمة الرباط، خصص للتعريف بالمغرب ومؤسساته وخصوصيات الأنشطة الأكاديمية والثقافية بالمغرب، فيما واصل مساعدو تدريس اللغة الإنجليزية تدريباتهم الخاصة لحضور الدروس الجامعية، حيث سيعملون في مختلف مناطق المملكة خلال الأسبوع التالي.
وشملت أنشطة الترحيب بالمجموعة حفلا أقيم بمقر السفارة الأمريكية بالرباط، جمع المستفيدين الجدد، إلى جانب خريجي برنامج فولبرايت المغاربة والأمريكيين، وأعضاء مجلس إدارة اللجنة المغربية الأمريكية للتبادل التعليمي والثقافي، والعديد من الدبلوماسيين من البعثة الأمريكية.
ولا يقتصر البرنامج على استضافة الباحثين والأساتذة الأمريكيين في المغرب؛ وفي المقابل، ستتوجه مجموعة من حوالي 50 مستفيدا مغربيا إلى الولايات المتحدة لمتابعة الدراسات الجامعية والدراسات العلمية والتكوين المهني وتعليم اللغة العربية، مما يضفي على المبادرة طابعا متبادلا يتجاوز مفهوم المنح الفردية ويبني شبكة مستمرة من العلاقات الأكاديمية والإنسانية.
الفوج الجديد ولد في سنة استثنائية للعلاقات المغربية الأمريكية
ويتزامن وصول الفوج الجديد مع احتفال المغرب والولايات المتحدة بمرور 250 سنة من الصداقة بين المغرب والولايات المتحدة في عام 2026. وتعود جذورها إلى عام 1777، عندما اعترفت السعودية باستقلال الولايات المتحدة.
ويصادف هذا العام أيضًا الذكرى الثمانين لبرنامج فولبرايت، الذي أنشئ بعد الحرب العالمية الثانية لتعزيز التفاهم بين الشعوب من خلال التعليم والبحث العلمي والتبادل الثقافي.
يعطي هذا التزامن معنى خاصًا لقبول مجموعات سكانية جديدة. لأنه على مر العقود تحول هذا البرنامج إلى أحد أبرز أدوات التعاون التعليمي والدبلوماسية الشعبية بين البلدين. وقد ساهم ذلك في التعاون بين الجامعات ومعاهد البحوث، وفتح الفرص للطلاب والباحثين للتعرف بشكل مباشر على المجتمعات المختلفة، والابتعاد عن العلاقات الدبلوماسية والاتفاقيات الرسمية فقط.
ويسلط تكوين مجموعة 2026-2027 الضوء على اتساع مجالات التعاون، بدءا من البحث في التراث الثقافي، مرورا بالذكاء الاصطناعي والتعليم، إلى التنمية الحضرية والسياحة المستدامة والحفاظ على ذاكرة المغرب.
يدرس ستة باحثين قضايا مختلفة في المغرب
تضم هذه الفوج ستة طلاب باحثين يعملون في مشاريع تتعلق بالموضوعات المغربية ذات الجوانب الثقافية والاجتماعية والتنموية. ويتناول أحد هذه المشاريع التمثيل الأمازيغي في السينما المغربية من خلال بحث أجري بمدينة ورزازات، إحدى أشهر الوجهات السينمائية بالمملكة.
يجمع هذا الموضوع بين دراسة الصور السينمائية والهوية الثقافية من خلال تحليل كيفية تمثيل الشخصيات والمجتمعات الأمازيغية ضمن الإنتاج السينمائي ومدى ارتباط هذا التمثيل بالتحول الذي شهدته السينما المغربية.
أما المشروع الثاني فيتناول تجارب الأسر المسلمة التي ولدت في فرنسا واستقرت في المغرب من خلال بحث ميداني بمدينة مكناس. تهدف هذه الدراسة إلى فهم التحولات الثقافية والاجتماعية المرتبطة بالهجرة من فرنسا إلى المغرب، وكذا دينامية استقرار المملكة وطبيعة اندماجها في المجتمع المغربي.
السياحة المستدامة والتراث هما محور البحث
ويتضمن المشروع أيضا إجراء أبحاث حول نماذج السياحة المستدامة التي يمكن أن تساهم في الحفاظ على القصبات والقصور بجهة سوس ماسة ودرعة تافيلالت. ويكتسب هذا الموضوع أهمية متزايدة نظرا للقيمة المعمارية والثقافية التي تمثلها هذه المباني التاريخية، فضلا عن دورها في تنشيط الاقتصاد المحلي وجذب السياح.
وسيستكشف مشروع آخر دور السلاطين الخطاطين في المخطوطات المغاربية في أواخر العصور الوسطى، مما يمهد الطريق لدراسة العلاقة بين السلطة السياسية والإنتاج الفكري والفني، ومكانة الخط في توثيق المعرفة والهوية داخل منطقة المغرب العربي.
وستركز إحدى الدراسات أيضا على المعارف التقليدية للنساء الأمازيغيات العاملات في تعاونية لإنتاج الزعفران قرب تاجليوان، مع تسليط الضوء على تجاربهن الموروثة ودورهن في الاقتصاد المحلي، فضلا عن الحفاظ على أساليب الإنتاج التقليدية.
ويركز المشروع السادس على أدوات الذكاء الاصطناعي التشاركية واستخدامها المحتمل في إعادة بناء التراث، والعمل مع المجتمعات في منطقة الأطلس الكبير بينما تواصل التعافي من آثار زلزال 2023. يجمع هذا البحث بين التكنولوجيا الحديثة والمعرفة المحلية، بهدف التوصل إلى حل يأخذ في الاعتبار الخصائص الثقافية والمعمارية للمناطق المتضررة.
5 أساتذة أمريكيين بالجامعات المغربية
وتضم المجموعة خمسة أساتذة جامعيين يقومون بالتدريس وإجراء البحوث في مجالات متخصصة داخل المؤسسات التعليمية المغربية، بدءا من الدراسات الدينية إلى الذكاء الاصطناعي والهندسة المعمارية والتعليم العام والحفاظ على التراث.
وسيقوم أحد الأساتذة بإجراء بحث حول القرآن الكريم وحواس الإنسان بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، بينما سيعمل الآخر على الذكاء الاصطناعي القائم على العميل لتعليم الجيل القادم بجامعة عبد المالك السعدي بطنجة.
ويعكس دمج الذكاء الاصطناعي في المشاريع الأكاديمية حضور هذا المجال في المناقشات حول مستقبل التعليم، وخاصة تطوير الأدوات التي يمكنها أداء مهام متعددة والتفاعل مع الطلاب بطرق تتجاوز استخدام البرامج الرقمية التقليدية.
وفي المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية بالرباط، سيتم إجراء البحوث حول العمران والمناظر الطبيعية من خلال الرسومات على طول وادي أبي رقراق، مع اتباع نهج يجمع بين المراقبة الميدانية والتوثيق البصري ودراسة التحول الحضري.
الذكاء الاصطناعي لخدمة الطلاب ضعاف السمع
ويتناول مشروع آخر التعليم الشامل في الفيزياء بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي للطلبة الصم وضعاف السمع بجامعة محمد الخامس بالرباط.
هذا المشروع له جوانب تعليمية واجتماعية. لأننا نهدف إلى استخدام التكنولوجيا لتخفيف الصعوبات التي تواجه مجموعات من الطلاب في مجالات العلوم، وتطوير الأدوات التي تساعد في تقديم مفاهيم الفيزياء بطرق تناسب بشكل أفضل الاحتياجات السمعية والتواصلية المختلفة.
ويركز المشروع الخامس على الحفظ الرقمي للتراث اليهودي المغربي من خلال مشروع جنيزة الرباط بشراكة مع جامعة ابن الزور والمتحف اليهودي المغربي.
ويهدف هذا المشروع إلى استخدام الأدوات الرقمية للحفاظ على الوثائق والمكونات المتعلقة بالذاكرة اليهودية المغربية، وبالتالي تعزيز حماية هذا المورد وإتاحته للباحثين والأجيال القادمة.
تدريس اللغة الإنجليزية في مدن متعددة في المغرب
كما يضم فوج فولبرايت 12 مساعداً لتدريس اللغة الإنجليزية، سيقضون العام الدراسي في قاعات دراسية جامعية موزعة على مدن ومناطق المملكة المختلفة.
وسيعمل المستفيدون بكل من سلا، الدار البيضاء، المحمدية، تطوان، فاس، وجدة، الجديدة، آسفي، الصويرة، برسيد، ورزازات، وسيتم تعيين اثنين منهم بمدينة مراكش.
وهذا الانتشار يعطي للبرنامج بعدا وطنيا. وذلك لأن نشاطها لا يقتصر على الرباط أو المدن الجامعية الكبرى، بل تتسع فوائدها لتشمل مؤسسات ومجتمعات تعليمية في مناطق متعددة.
ولا يقتصر عمل المعلم المساعد على تقديم دروس اللغة. إن وجود المعيدين داخل الجامعة يوفر فرصاً للتفاعل الثقافي وتبادل الخبرات مع الطلاب والأساتذة، مما يساعد على بناء علاقات مهنية وشخصية يمكن أن تستمر إلى ما بعد نهاية فترة المنحة.
يتم إكمال هذه المجموعة بواسطة معلم في مدرسة ابتدائية حصل على جائزة فولبرايت للتعليم الخاص. وسيخصص فصل الخريف للبحث في دور برنامج “المدارس البيئية” في تعزيز التعليم المستدام في كل من المدارس القروية والحضرية في المغرب.
مشاريع تتعلق بأولويات المغرب المستقبلية
وأكدت الدكتورة ريبيكا جيفنر، المديرة التنفيذية للجنة المغربية الأمريكية للتبادل التربوي والثقافي، أن هذا الجيل من الباحثين والأساتذة ومساعدي تدريس اللغة الإنجليزية يصل إلى المغرب في مرحلة واعدة للشراكة الثنائية.
وأوضح أن أنشطة الجهة المستفيدة ستمتد من شمال طنجة وتطوان إلى مراكش والصويرة وورزازات وأكادير ومكناس ووجدة وتاروين، مما سيمكن من نقل الخبرات والأفكار إلى مؤسسات وجماعات موزعة على كامل المملكة.
وأضافت أن مجال البحث والتعليم يعكس تنوع المعرفة الأمريكية ويتقاطع مع القضايا التي ستكون جزءا من مستقبل المغرب، مثل الذكاء الاصطناعي والتعليم والتنمية الحضرية والتراث الثقافي وتنمية رأس المال البشري.
ويمثل هذا التقاطع إحدى نقاط قوة المجموعة الجديدة. وذلك لأن المشروع لا يطرح موضوعات نظرية بعيدة كل البعد عن الواقع المحلي، بل روابط لملفات تخضع لنقاش متزايد داخل المغرب، مثل إعادة تأهيل المناطق المتضررة من الزلزال، ورقمنة المواقع التراثية، والتعليم الشامل، والسياحة المستدامة.
حوالي 50 مغربي يتوجهون إلى الولايات المتحدة
وفي الوقت نفسه الذي بدأ فيه المستفيدون الأمريكيون العيش في المملكة العربية السعودية، غادر حوالي 50 مغربيًا إلى الولايات المتحدة خلال نفس العام للاستفادة من برنامج فولبرايت.
وتشمل المنح المخصصة للمغاربة متابعة الدراسات العليا على مستوى الماجستير، وإجراء دراسات الدكتوراه والدراسات المتقدمة، وتعليم اللغة العربية، والاستفادة من برامج التكوين المهني.
ويؤكد هذا التبادل الموازي أن البرنامج يعتمد على النقل الثنائي للمعرفة والخبرات، حيث يستضيف المغرب باحثين وأساتذة أمريكيين، كما تتاح للطلاب والباحثين المغاربة فرصة الدراسة والعمل داخل المؤسسات الأمريكية.
وقال بنجامين زيف، القائم بالأعمال بالسفارة الأمريكية بالرباط، إن برنامج فولبرايت ظل ركيزة أساسية للتبادل التعليمي والثقافي بين المغرب والولايات المتحدة لعقود من الزمن، حيث ساهم في خلق علاقات دائمة بين شعبي البلدين والمؤسسات الأكاديمية في كلا البلدين.
ورأى أن المجموعة الجديدة ستواصل مسار الشراكة هذا في سنة تخلد الذكرى 250 للصداقة المغربية الأمريكية والذكرى الثمانين لمنح فولبرايت، مؤكدا أن المشاريع المنجزة على مستوى المملكة ستعزز العلاقات الأكاديمية وتعزز تبادل الأفكار.
وتشرف اللجنة المغربية الأمريكية للتبادل التربوي والثقافي على برنامج فولبرايت بالمملكة، بهدف تعزيز التبادل التعليمي والتفاهم المتبادل والدبلوماسية الشعبية. وتجسد دفعة 2026-2027 هذا الاتجاه من خلال الجمع بين البحث والتعليم والعمل الميداني داخل المجتمع، مما يجعل المعرفة وسيلة عملية لتعميق الشراكة الاستراتيجية بين المغرب والولايات المتحدة.




