انتخابات 2026. كيف يتم تشكيل “خيار التصويت” في الأسر المغربية؟

مع اقتراب يوم التصويت في الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في 23 سبتمبر/أيلول، تظهر اختلافات في خيارات التصويت داخل العائلات. وفي الأوقات التي تتداخل فيها المناقشات والتفاعلات العائلية مع المناصب الانتخابية، قد يميل أفراد الأسرة نفسها إلى دعم أحزاب سياسية ومرشحين مختلفين.
وتثير هذه الاختلافات التساؤل حول طبيعة التأثير المتبادل بين أفراد الأسرة الواحدة، وما إذا كان الاختيار الانتخابي يظل مسألة شخصية مستقلة عن الآخرين أم أنه يتشكل بمراعاة التفاعلات والمناصب والنفوذ وتبادل النفوذ داخل البيئة الأسرية.
فرق صحي
وقالت الخبيرة والاختصاصية في علم النفس الإكلينيكي ندى الفضل: «اختلاف الخيارات التصويتية بين الأسر مع اقتراب الانتخابات ظاهرة طبيعية تعكس تنوع المعتقدات والمواقف في المجتمع»، «الأسرة مساحة مشتركة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن أفرادها متشابهون في تفكيرهم أو مواقفهم السياسية أو الانتخابية».
وقال الفضل في تصريح لهسبريس: “تلعب الأسرة دوراً مهماً في تكوين الاتجاهات منذ المراحل الأولى لحياة الفرد، من الناحية النفسية، فالأسرة تساعد الإنسان على التعبير عن رأيه، والاستماع إلى آراء الآخرين، والرد على مختلف القضايا. وذلك لأن هذه هي البيئة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء تكوين مواقفهم الخاصة من الآخرين”، مضيفاً “المناقشات اليومية ومواقف الأهل وكيفية تعاملهم مع الاختلافات وغيرها تقدم عدداً من المراجع”. وقد يؤثر ذلك لاحقًا على كيفية نظرتهم إلى الشؤون العامة.
وأشار الخبير وعلم النفس الإكلينيكي إلى أن “تأثير الأسرة على الاختيارات الانتخابية يتجلى من خلال عدة آليات نفسية، منها تأثير موقف أفراد الأسرة الذين يتمتعون بثقة واحترام كبيرين، وهو ما يعرف بتأثيرات النمذجة والتقليد. وقد تلعب العوامل العاطفية أيضا دورا مهما، لأنه كلما اقتربت العلاقة، زادت قدرة الفرد على الاستماع لآراء الآخرين والتأثر بها”.
وأضاف المتحدث: “التأثير هو رغبة قوية في الحفاظ على الانسجام داخل الأسرة، حيث يتجنب بعض الأشخاص التعبير عن مواقف متعارضة لتجنب الجدل والصراع، بينما يختار البعض الآخر موقفاً مختلفاً رغبة في تأكيد استقلاليتهم وإظهار أن قراراتهم مبنية على معتقدات شخصية. وقد يرتبط أيضاً بالرغبة في التأثير على الآخرين”، مشدداً على أهمية التمييز بين التأثير والإكراه، فالتأثير الطبيعي يقوم على الحوار وتبادل الأفكار والحجج، وتصبح القضايا أكثر أهمية. إشكالية. “الخلاف يمكن أن يتحول إلى ضغط أو تخويف أو محاولة لفرض قرار معين”.
وقالت ندى الفضل: “لا ينبغي النظر إلى اختلاف الاختيارات الانتخابية داخل الأسرة على أنه مؤشر على خلاف أو وجود تفكك أسري، خاصة أن لكل فرد الحق في التعبير عن موقفه دون خوف من الرفض أو العقاب. وفي بعض الحالات، قد يكون ذلك دليلا على وجود مناطق من الاستقلال الفكري والنفسي داخل الأسرة”، مضيفة “كما يمكن للأطفال التأثير على مواقف والديهم من خلال المعلومات، لذا فإن التأثير داخل الأسرة ليس بالضرورة أحادي الاتجاه”. ويحصلون على معلوماتهم من عدة مصادر. “
وأكد الفضل أن «الشخصية والتجارب الشخصية تلعب دوراً في تحديد مستوى الضعف». “الأشخاص الذين يتمتعون بالاستقلال النفسي والقدرة على التفكير النقدي عادة ما يكونون قادرين على الاستماع إلى الآخرين دون التخلي بالضرورة عن معتقداتهم الخاصة، في حين أن أولئك الذين لديهم حاجة قوية للقبول الاجتماعي أو الخوف من الصراع قد يكونون أكثر عرضة للتوافق مع آراء المجموعات، بما في ذلك المجموعات العائلية.”
وبالنظر إلى أن «الأسرة السليمة نفسياً ليست الأسرة التي يتفق فيها جميع أفرادها على كل شيء، بل هي الأسرة القادرة على قبول الاختلافات والحفاظ على الاحترام والروابط العاطفية، على الرغم من اختلاف المكانة»، خلص الخبير إلى أن «اختلافات التصويت داخل الأسرة يمكن أن تكون فرصة لتعلم مهارات إدارة الاختلافات»، وشدد على أن «التصويت يظل قراراً شخصياً يمثل معتقدات الفرد واختياراته، حتى لو تأثر بالبيئة الاجتماعية والأسرية».
التغيير الاجتماعي
وقال أستاذ علم الاجتماع حسن قرنفل: “للإجابة على سؤال تأثير الأسرة على الاختيارات الانتخابية والنقاشات داخل الأسرة، لا بد من التذكير بالتغيرات التي شهدها المجتمع المغربي والأسر المغربية في العقود الأخيرة”. وأوضح أن “الأسر انتقلت من النموذج التقليدي الذي كان للأب فيه الدور المحوري وكان له الصوت الأول في مختلف القضايا، إلى أسر نووية صغيرة تتكون بشكل رئيسي من الآباء والأمهات والأطفال”.
وأوضح قرنفل في تصريح لهسبريس أن “هذه التغييرات خلقت نوعا من الجدل بين أفراد الأسرة داخل الأسرة، فلم يعد الأب يتمتع بالسلطة القوية التي كان يتمتع بها، كما عبرت الأم والزوجة عن رأيهما في العديد من القضايا، كما بدأ الأبناء في التعبير عن مواقفهم من مختلف القضايا بحرية كاملة، وهو ما جعل النقاش داخل الأسرة أكثر حضورا وتنوعا”.
وأشار أستاذ علم الاجتماع إلى أن “الأسرة لم تعد المساحة الوحيدة للتنشئة الاجتماعية، وهي مسؤولة فقط عن تربية الأبناء ونقل معارفهم عن الحياة الاجتماعية”، وأوضح أن “هؤلاء الأشخاص أصبح لديهم موارد للتنشئة الاجتماعية ومصادر أخرى، كالصداقات والزمالة والجيران وأصدقاء العمل، إضافة إلى مصادر أخرى للتفاعل وتبادل الأفكار والآراء”.
وأضاف حسن قرنفل: “إن التطورات الرقمية، خاصة بين الأجيال الحديثة، تعني أن “المساحات الافتراضية” لعبت دوراً كبيراً في كيفية تفاعل الأطفال في العالم الرقمي، والتواصل مع الآخرين، وتبادل الأفكار والآراء حول مختلف القضايا. ونتيجة لذلك، تضاءل دور أفراد الأسرة، أي الآباء والأمهات، في التأثير على الأطفال في العديد من القضايا، وكثيراً ما اقتصر الحوار داخل الأسرة على القضايا الأساسية والبسيطة”.
وقال المتحدث: “في هذه الانتخابات، لا يمكننا أن نتوقع أن تكون هذه القضية مرتبطة بأفكار الآباء والأمهات في معظم الحالات، إلا في المناطق الريفية وفي بعض الأوساط المحافظة للغاية”، مؤكدا أن “هذه القضية تتعلق في المقام الأول بطبيعة المشاركة وحرية العائلات في اختيار من وعلى أي قائمة يصوتون”، مضيفا: “يمكن أن يكون هناك خلافات وخلافات، حتى بين الزوج والزوجة، حول الإجراءات التي يجب اتخاذها في هذه الانتخابات”.
واختتم حسن قرنفل كلامه قائلا: “في المغرب، هناك طفرة كبيرة في الحرية الشخصية التي تؤثر على قرارات الناس ونظرتهم للحياة، وسيتجلى ذلك أيضا في لحظة الانتخابات، لأنه في أغلب الأحيان سيصوت كل فرد ويتخذ قراراته وفقا لمعتقداته الشخصية، متأثرا بموقفه، ومناقشاته مع الأصدقاء والزملاء، واتجاه الرأي العام”. وقال “إن التنبؤ بالخيارات التي سيتخذها الأفراد يظل مشكلة صعبة للغاية بالنسبة للمرشحين”.



