سياسة

المغرب وإسرائيل.. القرار الصحيح في مواجهة الخطاب المشترك في سوق الدجاج

الخط:

اللعنة عليك يا سياسة. أنتم المهنة الوحيدة التي تسمح للحزب السياسي المسؤول عن الحكم أن يوقع على قرار حاسم بإيمان وحماس، بتصفيق ومباركة قادة الحزب، وبعد فترة من الزمن يتراجع عن نفس القرار، بنفس الحماس وبتصفيقهم ومباركتهم.

وهذا هو الحال بالنسبة لحزب العدالة والتنمية الذي أعلن في بيان رسمي في أول رد فعل له على قرار رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين أن الحزب “لا يزال ثابتا على موقفه الرافض لكل أشكال التطبيع وكل العلاقات والاتفاقات مع إسرائيل”.
بنكيران، عندما تحدث عن «موقف حزبه» كان يحتاج على الأقل إلى أن يكون صريحاً مع المغاربة. “إخواني المغاربة، وبحضور حماس وحزب الله وأنصار الله الحوثيين وإيران، أشهد أن حزبي، حزب العدالة والتنمية، وقع وبارك تطبيع العلاقات الدبلوماسية في عهد رئاسة النظام”. وتماشياً مع الاتجاه العام للحزب والحكومة التي يرأسها، فإنني لم أبدي أي معارضة أو إدانة لقرار التطبيع، ولكنني أعلن لكم الآن موقفي الرافض للتطبيع. “

والسؤال الذي يجب أن أطرحه على صديقي المهرج عبد الإله بنكيران مرة أخرى هو: “لماذا لا تشعر بالخجل من التخلي عن منصبك السياسي؟ ألم تخطر ببالك قط فكرة التنازل عن معاشك الفلاحي الذي تبلغ قيمته 70 ألف درهم؟” أم أن ذلك المال الشهري هبة من الله، وممارسة السياسة قربتك إلى الله، أم أنك قلت كما قال أحد تصريحاتك الأخيرة: “أحب السياسة لأنها تقربني إلى الله”؟
ومن هذا المنطلق، أود أن أقول للسيد بنكيران، الذي عارض موقف الحزب بعد صمت طويل، إن المغرب يرى في رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي فرصة لتطوير مجالات المعرفة والتكنولوجيا والاستثمار والتكوين والصناعة والأمن السيبراني والفلاحة، بالإضافة إلى إمكانية التعاون والعديد من الشراكات الثنائية في القطاعات الصناعية المتقدمة، بما في ذلك صناعات الأسلحة والطائرات.
وهنا يكمن تناقض كبير بين علاقة تنتج انطلاقة معرفية وتطورية تقوم على تبادل الخبرات والانفتاح واستيعاب التغيرات الكبيرة، وعلاقة تنتج الشعارات والخطابات، والاعتماد على خطابات العداء المطلق الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى العزلة الفكرية والتنموية. شراكة تنقل المختبرات والتكنولوجيا، وشراكة توفر منصة ومواعظ دينية عن المكائد والخيانة.

ولا أعتقد أن حزب المصباح الذي انطفأ نوره منذ هزيمته المذلة في انتخابات سبتمبر 2021، سيتمكن من إقناع المغاربة بالحجج المقنعة حول حجم الضرر الناجم عن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل، غير تحويل الفكر الديني إلى عداء للعلم، وتمجيد الجهل واستبدال العلم والصناعة والأيديولوجية والتكنولوجيا بشعارات وخطابات فارغة.
إن المغرب، عدو التطبيع، يحتاج إلى رؤية العالم من خلال عيون الدولة وليس من خلال عيون الأيديولوجية. فهو ينمو ويتطور ويضيف إلى تجاربه تجارب أخرى، مع الحفاظ على استقلالية قراراته ومبادئه ومصالحه الوطنية. وإذا بقي العنصر الديني في نطاقه الروحي والأخلاقي، فإنه يمكن أن يكون مصدرا للقيم. ولكن عندما تصبح أداة للسيطرة على القرارات السياسية، فإنها تضر بالبلد وشعبه.
ومن غير المقبول في مثل هذه الحالة أن يوضع الدين وحده في مركز هذه القضية. كما أن هناك حركات يسارية واشتراكية تتقاطع معه في بعض القضايا، رغم اختلاف منطلقاتها الفكرية والتاريخية. ومن أبرز نقاط الاتفاق بين الطرفين رفضهما التطبيع مع إسرائيل، ليس باعتباره موقفا سياسيا قابلا للتفاوض، بل باعتباره “معيارا للوطنية الصادقة”. خاصة هنا، تحتاج إلى طرح الأسئلة بنبرة هادئة وعقلانية. هل كل من يرفض التطبيع وطني وكل من يقبل التطبيع خائن؟ أم أن المشكلة أكثر تعقيدا من هذه الازدواجية المأساوية؟

ولكل حزب سياسي وحركة ومواطن الحق في معارضة التطبيع والتعبير عن مطالبه السياسية والأخلاقية والتاريخية. ومن ناحية أخرى، يحق للدول أن تنظم علاقاتها الخارجية وفقاً لمصالحها الوطنية والاستراتيجية.
وإذا كان المغرب يسعى إلى المعرفة والتكنولوجيا والاستثمار والخبرة السوقية والصناعية، فمن حقه أن يفتح الباب أمام الشراكات التي يراها في مصلحته. ومن ناحية أخرى، يحق للمواطنين أن يسألوا عن حدود هذه الشراكات وعواقبها وتكاليفها، وأن يعارضوها إذا اعتقدوا أنها لا تخدم وطنهم.
الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أن التيارين «الإسلامي» و«الاشتراكي» مختلفان في كل شيء، من الاقتصاد إلى المجتمع إلى الدولة، وأنهما يلتقيان. الأول هو التكفير “أنا أو الكافر”، والثاني هو “أنا أو الخائن” الخيانة، أي أن التودد بين الاثنين يقوم على رفض الآخر، ورفض الانفتاح، ورفض الاعتراف بأن العالم قد تغير.

هناك قضية أعمق هنا من التطبيع نفسه. إنها مسألة القلب الذي يريد إدارة عالم القرن الحادي والعشرين باستخدام أدوات القرن العشرين. إن العالم يتحرك بسرعة مثيرة للقلق، والدول التي تريد تأمين مكانها في هذا العالم لا يمكنها أن تعيش في عزلة أيديولوجية. ومن يريد مغرباً قوياً ومنتجاً ومثقفاً ومبتكراً عليه أن يدرك أن أخطر ما يعيق المستقبل ليس الخلاف السياسي، بل القرارات السياسية التي تتحول إلى خيانة. المستقبل لا يسألنا من أي معسكر أيديولوجي نأتي، بل يسألنا ماذا أنتجنا وماذا تركنا للأجيال التي تأتي من بعدنا.
علاوة على ذلك، فإن معظم الذين يختزلون موقف المغرب من القضية الفلسطينية في مسألة التطبيع، يتجاهلون سجله الطويل من المساعدات والعمل السياسي والإنساني والدبلوماسي، حيث تظل القضية الفلسطينية أحد العناصر الدائمة في السياسة الخارجية للمغرب اليوم.
هل يمكن تلخيص كل مواقف المغرب في كلمة واحدة: الخيانة؟ من حق كل مغربي أن يرفض التطبيع. لكن لا يحق لأحد أن يحتكر الوطنية ويحول اختلاف المواقف السياسية إلى شهادة على الخيانة. وكأن تاريخ المغرب في العلاقة مع القضية الفلسطينية يمكن أن يمحى بالكامل، أو وكأن عقودا من المواقف والدعم لا قيمة لها في مواجهة الشعارات السياسية التي ينشرها بسهولة مدهشة بعض مروجي الخطاب الأيديولوجي.

ويمكن للمغرب أن يدعم الحقوق الفلسطينية، ويدافع عن القدس، ويطالب بدولة فلسطينية مستقلة، ويقدم المساعدات الإنسانية، وفي الوقت نفسه يقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. وهذا ليس بالضرورة تناقضا. هذه هي خيارات السياسة الخارجية التي يمكن مناقشتها وتقييم نتائجها.
ولذلك، قبل أن تشهروا سيف “التمرد” على المغاربة ضد الحركات الإسلامية والحركات الاشتراكية الراديكالية، أقول اقرؤوا تاريخ بلدكم جيدا. القضية الفلسطينية ليست ملكا لأي حركة دينية أو حزب سياسي. وهذه قضية لها مكانة مقدسة في الضمير المغربي وفي السياسة الخارجية السعودية. إن الدفاع عن المغرب لا يعطي لأحد الحق في مصادرة القرار المغربي أو احتكار الوطنية. في النهاية، ليست الخيانة هي التي تنتصر، بل القرارات الحكيمة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button