مجتمع

ردا على الخطابات التحريضية العابرة للحدود ضد المغرب – events.info

وحاولت الصبر وتجنب التفاعل قدر الإمكان مع هذا القول وصاحبه الشيخ محمد الصغير. لكنني لم أستطع التزام الصمت. ومنذ صدوره، أصبح هذا البيان وثيقة حاضرة بقوة على منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة الفيسبوك، لدرجة أنه أمامك أينما أدرت وجهك، وكأن حملة واسعة تكرس منبرها ومساحة للدعاية والنشر، ولم يكتف البيان بالتعبير عن موقف أو تقديم نصيحة، بل يحتوي على عبارات ومواقف تتطلب منا وقفة ومناقشة. وشعرت أنه من واجبي، من جهة، كمواطن مغربي، ومن جهة أخرى، كأمين عام لرابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية، أن أتناول هذه القضية بالنقد والتحليل، انطلاقا من قواعد السياسة النبوية والمشروعة ومقاصد الشريعة الإسلامية، بعيدا عن الخطاب الإيديولوجي الشعبوي الذي انتشر مؤخرا كالنار في الهشيم على منصات التواصل الاجتماعي.

التدخل في الخيارات السيادية

لا شك أن القضية الفلسطينية والقدس الشريف لها مكانة قوية في الضمير الإسلامي، وأن العلماء والمفكرين والمنظمات الإسلامية لها الحق في التعبير عن مواقفها من السياسة الدولية، ومناقشة قضايا الحرب والسلام والعلاقات بين الدول من وجهة النظر القانونية والأخلاقية. إلا أن هذا الحق لا يعفي أصحابه من الالتزام بالمبادئ الفقهية والمقاصد الشرعية، خاصة عندما ينتقل الخطاب من مجرد إبداء الرأي إلى التحدث إلى أهل بلد معين، والتدخل في خياراتهم السياسية والسيادية، وتمرير مواقف سياسية معينة على أنها أحكام شرعية نهائية. ولذلك فإن البيان الصادر بتاريخ 17 سبتمبر 2026 عن المنظمة العالمية لأنصار النبي صلى الله عليه وسلم بقيادة الشيخ محمد الصغير خطير.

وصدر هذا البيان يوم 16 سبتمبر 2026، إثر الإعلان عن اتفاق بين المغرب وإسرائيل لرفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى سفارة، وتعيين سفير، واتخاذ إجراءات أخرى تتعلق بالرحلات الجوية والعلاقات الاقتصادية والاستثمارية. وتم الإعلان عن الاتفاق بعد اجتماع ثلاثي في ​​نيويورك بين وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ووزير الخارجية الإسرائيلي جدعون سار والسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك فالز، حسب ما أوردته رويترز. ولذلك فإن أصل المشكلة هو حقيقة سياسية ودبلوماسية محددة، ولا داعي لتحويلها إلى معركة دينية بين الإيمان والكفر.

المشكلة الأولى في تصريح الشيخ محمد الصغير أنه سرعان ما انتقل من الموقف السياسي إلى الحكم الفقهي القطعي عندما قرر أن “التطبيع مع الاحتلال الصهيوني محظور في كل الظروف والأزمنة”، دون أن يقدم في البيان التفاصيل الفقهية التي تميز بين الأشكال المختلفة للعلاقات الدولية، أو وقف إطلاق النار، والمعاهدات، والتمثيل الدبلوماسي، والتعاون الاقتصادي، والمفاوضات، والوساطة، والاعتراف السياسي. وهذا التعميم يحتاج إلى فحص علمي. وذلك لأن الفقه الإسلامي في سياسة الشريعة لا يتعامل مع العلاقات الدولية بمنطق حكم مجرد منفصل عن الظروف والمصالح والأضرار والعواقب.

متطلبات الإدارة السياسية

والأهم من ذلك أن سياسة النبي القانونية نفسها لا تدعم هذا النوع من التبسيط في القضايا الدولية المعقدة. لقد تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين بمنهج يقوم على التمييز بين الإيمان والمعاملة، والعداء والحياد، والمبادئ الدينية والسيطرة السياسية. لقد تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين بمنهج دقيق يفرق بين اختلاف العقيدة وقواعد المعاملة، وبين ثبات المبادئ الدينية ومقتضيات السيطرة السياسية. ويتجلى ذلك بوضوح في صحيفة المدينة التي تضع إطارًا لتنظيم العلاقات بين المسلمين واليهود وغيرهم من الشعوب، وتقيم نوعًا من العقد السياسي والأمني ​​المشترك بينهم دون النبي، مما يجعل مجرد الخلافات الدينية عائقًا ويمنع إبرام العقود والعهود وتنظيم المصالح المشتركة. وقد أكدت حياته صلى الله عليه وسلم، ومراسلاته وتعاونه المتعددة مع اليهود وغيرهم من الشعوب، أن الاختلاف المذهبي لا يعني بالضرورة التنفير السياسي أو الاجتماعي، وأن من المبادئ التي يجب أن يلتزم بها الإسلام في علاقاته مع الآخرين حسن المعاملة، والوفاء بالعقود، وحفظ الحقوق.

كما تعاون وتاجر مع يهود المدينة بطرق مختلفة، منها يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، على شرط أن يأخذ نصف المحصول، كما جاء في الحديث الشريف. حدثنا السيد موسى أنه أعطى يهود خيبر أرضا للعمل، وأخبرنا السيد جويرية بن أسماء، عن نافع، عن عبد الله -رضي الله عنه-. رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأعطى خيبر لليهود ليعملوا فيها ويعمروها، ولهم نصف ما يستطيعون منها. وهذا مثال واضح على أنه لا يمكن اختزال العلاقة بين السياسة والاقتصاد في التصنيفات المذهبية وحدها.

وخاصة مع صلح الحديبية، قبل النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقاً بدا صعباً للغاية على البعض من الإخوان في ذلك الوقت. وفي الواقع، أثارت بعض مصطلحاته اعتراضات واضحة. إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قبله لأنه رأى فيه مصلحة أوسع وعواقب أكثر.

وهذه ليست تفاهات تاريخية، بل هي من أهم قواعد السياسة الشرعية، وحكم الوسائل السياسية لا ينفصل عن غاياتها ونتائجها. ليست كل العلاقات السياسية أو الدبلوماسية تتفق مع كل تصرفات الطرف الآخر، وليست كل المفاوضات تؤدي إلى تنازلات. كما أن قطع العلاقات لا يقربك بالضرورة من تحقيق الفوائد.

صلاحيات الدولة

ولذلك، إذا أردنا أن نبين أن هذا البيان مشروع، رغم أن هذه المنظمة ليست مؤسسة عمومية، بل جمعية بسيطة في تركيا تضم ​​مجموعة من الدعاة الذين لا علم لهم بالعلاقات الدولية ولا بالسياسة الشرعية “غير الخير والسعادة”، كما نقول نحن المغاربة، نحتاج إلى مناقشة هذه الاختلافات قبل إصدار حكم شامل، وعادة ما يقال هذا المثال على سبيل المزاح أو السخرية الخفيفة. بمعنى آخر، هؤلاء الأشخاص بعيدون كل البعد عن المعرفة والمعرفة، وليس لديهم أي صلة قرابة على الإطلاق.

أما المسألة الثانية فتتعلق بمفهوم قوة الدولة والشعب فيما يتعلق بالتسوية والتعاقد. لا تخضع السياسة الخارجية للدول القومية الحديثة للفتاوى الفردية أو البيانات العابرة للحدود الوطنية، بل يتم تنفيذها من قبل مؤسسات الدولة وفقًا للدستور والنظام القانوني. وفي حالة المغرب، ينص الفصل 41 من الدستور على الوضع المؤسسي للإماراتيين المخلصين والمجلس العلمي الأعلى، مما يجعل المجلس مؤسسة يحق لها إصدار فتاوى معتمدة رسميا في المسائل التي يحال إليها. وهذا لا يعني أن الأكاديميين الخارجيين ليس لهم الحق في التعبير عن آرائهم. بل يعني أن هناك فرقا بين إبداء الرأي العلمي ومخاطبة المجتمع المغربي كطرف يحتاج إلى التحرك في القضايا السياسية المتعلقة بالقرارات الوطنية والسيادة.

إن أكثر ما يثير الإشكال والجهل في قواعد السياسة الشرعية والعلاقات الدولية الحديثة، هو أن البيان لا يقتصر على مخاطبة الأكاديميين، بل يختتم بدعوة “الشعب المغربي” إلى التعبير عن موقفه “بكل الوسائل” بشأن تحسين مستوى العلاقات الدبلوماسية. وينتقل السؤال الآن من المجال العلمي إلى مجال التعبئة والتحريض، والسؤال المنهجي الذي يطرح نفسه هنا هو ما إذا كان يجوز، وفقا للشريعة الإسلامية، لهذه المؤسسة العابرة للحدود أن تصدر فتاوى في المسائل الفقهية السياسية، وترشد مواطني الدول الأخرى إلى كيفية تعامل المؤسسات الإماراتية التقية والمجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية والمحلية مع الأمور الدينية وقراراتها السيادية التي تتولى المجالس العلمية المحلية مسؤوليتها. الفتوى؟!

تحقيق الربح

والنصيحة في الإسلام لها آدابها وهدفها. قال الله تعالى: «ادع بالحكمة والموعظة الحسنة إلى سبيل ربك»، وقال الله تعالى: «ولا يرمينك شنآن قومك بالظلم؛ اعدلوا.» وهو قريب من التقوى. والحكمة هنا ليست مجرد استخدام اللغة الدينية، بل فهم الوضع، وفهم من يخاطب، والنظر في العواقب، وعدم تحويل الخلافات السياسية إلى استقطاب اجتماعي.

ومن الناحية المقاصدية، لا ينبغي أن تستخدم القضية الفلسطينية لإلغاء ما تبقى من مقاصد الشريعة، والمتعلقة بالحفاظ على الأمن الاجتماعي والوحدة، ومنع الصراع، وتحقيق الخير، والقضاء على الشر. فالشريعة لا تطلب من المسلمين الاختيار بين نصرة المظلوم والحصول على الحكمة، بل هي مزيج من الاثنين. ومن الخطأ أن يتحول التعاطف الحقيقي مع فلسطين إلى اعتقاد بأن الطريقة الوحيدة لدعم فلسطين هي قطع العلاقات، ومواجهة الحكومة، والتعبئة في الشوارع.

وتظهر سيرة النبي بوضوح أنه كان لديه القدرة على الجمع بين قوة الظروف ومرونة الوسائل. وفي الحديبية، لم يكن الهدف التنازل عن الحقوق، بل تحقيق فوائد أكبر من خلال الاتفاقيات المؤقتة. وفي تعاملاته مع اليهود، لم تكن الاختلافات المذهبية سببا تلقائيا لمنع المعاملات والعقود.

المصلحة الشخصية

لكن البيان شبه المغرب بـ”الدول غير الإسلامية” التي اتخذت خطوات للضغط على إسرائيل. وتتطلب هذه المقارنة دقة أكبر. لأن السياسة الخارجية لكل دولة ليست نظاماً واحداً، ولكل دولة مصالحها وتحالفاتها ووسائلها. ولتركيا نفسها، حيث يقيم الشيخ محمد الصغير، تاريخ طويل من العلاقات مع إسرائيل، فاعترفت بإسرائيل عام 1949 وأنشأت بعثة دبلوماسية لها في 7 يناير/كانون الثاني 1950، وكانت من أوائل الدول الإسلامية التي فعلت ذلك.

إذا كان “التطبيع” خيانة، كما يوحي البيان، فماذا كانت تسمى السياسة التركية منذ أكثر من 70 عاما؟ أم أن الحلال والممنوع في السياسة، بحسب محمد الصغير، يعتمد على مصالحه الشخصية والمادية؟ هل المعايير القانونية التي تطبقها المفوضية الأوروبية على المغرب هي نفسها التي تطبقها على الدولة التركية، أم أن الاعتبارات السياسية والجغرافية والمصالح الشخصية تغير كيفية تطبيق الحكم؟

كما جاء في البيان أن الضغوط التي تمارس على إسرائيل من قبل دول غير إسلامية يجب أن تكون الأساس لتقييم موقف المغرب. ومع ذلك، لا يمكن قياس السياسة الشرعية بمجرد تقليد مواقف الآخرين. يجوز للدول أن تتخذ مواقف دبلوماسية معينة لأسباب تتعلق بمصالحها الوطنية أو الأمنية أو الاستراتيجية، أو لأسباب تتعلق بقدرتها على التأثير في ملفات معينة. يمكن للباحثين أن يدعموا أو يعارضوا هذه السياسة، لكن لا ينبغي لهم اختزال هذه السياسة في ثنائية “دعم فلسطين أو إحباط فلسطين” دون دراسة البيانات بشكل كامل.

قياس متعدد

وينص البيان نفسه على أن فلسطين “قضية وطنية، وليست قضية يمكن تركها في أيدي أي جماعة أو أمة”. وهذا القول صحيح بالأساس من حيث أن القضية الفلسطينية هي قضية ذات أبعاد عربية وإسلامية وإنسانية واسعة. لكن إذا كانت فلسطين قضية دولة، فهذا يعني أيضًا أن إدارتها تتطلب أدوات متعددة. الدبلوماسية والإغاثة والإعلام والقانون الدولي والعمل السياسي والوساطة والمساعدات الإنسانية والتواصل مع مختلف الأطراف. وليس من منهج المقاصد اختزال كل ذلك في شعار واحد أو أسلوب واحد.

إن احترام القضية الفلسطينية لا يعني إغلاق باب الاجتهاد السياسي، واحترام العلماء لا يعني إعطاء أي فئة حق التحدث باسم جميع المسلمين، ونصرة المظلومين لا تعني التخلي عن فقه القدر. لقد جمع الأنبياء بين ثبات الإيمان ومرونة السياسة، وقوة المبدأ وحكمة الإدارة، وحفظ الحقوق، ومنع الفتن. وهذه سياسة مشروعة ينبغي تنفيذها اليوم.

وعليه، فإن الملاحظة الأساسية بشأن بيان الهيئة الذي وقعه الشيخ محمد الصغير، ليس أنه عبر عن رفض سياسة المغرب تجاه إسرائيل. بل إن البيان حوّل موقفا سياسيا مثيرا للجدل إلى حكم قانوني نهائي، وخاطب المجتمع المغربي بشكل مباشر خارج حدود الرأي العلمي، دون تقديم دراسة قانونية مفصلة للمنافع والأضرار والعواقب. وكان من الأفضل لمن هم في طليعة الخطاب القانوني أن يتركوا المجال للأكاديميين المغاربة ومؤسساتهم الخاصة للاجتهاد والتفكير، ونشر الحجج العلمية دون أن يجعلوا من أنفسهم أوصياء على المجتمع ككل.

القضية الفلسطينية أكبر من أن يختزل في بيان، وموقف المغرب أكبر من أن يختزل في عنوان «التطبيع»، والسياسات المشروعة أعمق من أن يختزل في شعارات وخطابات شعبوية. ومن يريد حقاً خدمة فلسطين عليه أن يلقي خطاباً يجمع بين نصرة الحق والحكمة، وثبات المبدأ وفهم الواقع، وغيرة القداسة واحترام المؤسسات الوطنية، وبين قوة الكلمة ومسؤولية النتائج. هذه هي روح منهج النبي في السياسة والإدارة.

إن مثل هذه التصريحات والخطابات الشعبوية، التي تستبدل الحكمة بالتهور، والفقه العملي بالشعارات، وميزان القوى بالطموح، تضر بفلسطين منذ عقود. إن الجهل بقوانين التغيير، وتعقيدات العلاقات الدولية، ومبادئ الحكم الشرعي النبوي لا يمكن أن يحقق النصر أو يدافع عن قضية ما. وبدلا من ذلك، يمكن أن يكون للنوايا الحسنة تأثير سلبي، وقد ينتهي الأمر بأشخاص أبرياء إلى دفع الثمن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button