تعرف على “دائرة الموت” الأبرز في الانتخابات المغربية

الرباط- يراهن عبد الكريم بنعتيق، الوزير السابق والقيادي في حزب اتحاد القوى الشعبية الاشتراكية، على تاريخ حزبه للفوز بأحد المقاعد الأربعة المخصصة لمنطقة الرباط المحيط. ونظراً للأهمية السياسية للمرشحين، فإن هذه الدائرة تصنف على أنها من أكثر الدوائر الانتخابية تنافسية.
وأشرف بنعتيق، مساء الاثنين، على الاستعدادات النهائية بمقر الحزب بالرباط قبل الانطلاق في مسيرة بحي أكدال. في غضون ذلك، وزع الناشطون منشورات دعائية على المواطنين، ورددوا شعارات تحث سكان المنطقة على التصويت لمرشحي حزب الاتحاد الاشتراكي.
القصص الموصى بها
قائمة من عنصريننهاية القائمة
وفي منطقة غير بعيدة عن حي أكدال، التقى مصطفى الخلفي، الوزير السابق ورئيس حزب العدالة والتنمية، مع سكان أحد المنازل في حي ديور الجامع واستمع إلى انشغالاتهم، بعد وقت قصير من انتهاء جولة تواصلية ميدانية في الحي.
ومع بقاء ساعات قليلة حتى يوم التصويت، تتجه الأنظار نحو الرباط المحيط وعدد من الدوائر الانتخابية الإقليمية الأخرى التي تتمتع بقدرة تنافسية عالية والتي أطلق عليها وسائل الإعلام اسم “المناطق الميتة”.
مفهوم تناسخ الموت
ويقول بنعتيق للجزيرة نت إن دائرة الرباط المحيط ظلت بمثابة قلعة للفدرالية منذ ستينيات القرن الماضي، وتعاقب سكانها على تمثيلهم القيادة التاريخية للحزب.
وأوضح أنه يقوم حاليا بجولة تواصلية مع أهالي المنطقة من مختلف أنحاء المنطقة بهدف ترميم هذه القلعة. وأضاف: “نحن واثقون من قدرتنا على الفوز بمقاعد في هذه الدائرة لأن السكان يعرفون ارتباطات حزبنا بالمناطق الشعبية”.

في حين أوضح مصطفى الخلفي للجزيرة نت أنها تعتمد على تحديد احتياجات سكان المنطقة بناء على بيانات التعداد السكاني 2024، مشيرا إلى أن القضاء يواجه تحديات اجتماعية واقتصادية كبيرة أهمها البطالة ودعم الأنشطة الاقتصادية والحرفية فضلا عن رعاية المسنين والمعاقين.
وأضاف أنه ونشطاء حزبه قاموا بصياغة برنامج محلي يتضمن 12 تعهداً مستمدة من البرنامج الانتخابي للحزب، بهدف عرض هذه التعهدات أمام الحكومة والسلطات المحلية والعمل على تنفيذها.
في الأدبيات السياسية والإعلامية، يستخدم مصطلح “دائرة الموت” للإشارة إلى الدوائر الانتخابية التي تكون فيها المنافسة في أعلى مستوياتها على عدد محدود من المقاعد، لا يزيد عادة عن ثلاثة أو أربعة، حيث يتنافس فيها عدد من قادة الحزب البارزين، بما في ذلك أمناء الأحزاب والوزراء السابقين والحاليين وأعضاء البرلمان المخضرمين والمشاهير ذوي الاحتياطيات الانتخابية القوية، على عدد محدود من المقاعد.
وقد أدى إدخال نظام الانتخاب القائم على القاسم المشترك لتخصيص المقاعد إلى تعقيد حسابات كل حزب، مما جعل من المستحيل تقريبا أن يفوز حزب واحد بمقعدين في نفس الدائرة، وأصبح الأمر معركة شرسة تتطلب حشد قوى مهمة للفوز بمقعد واحد.

سخونة منطقة الخريطة
وستجرى الانتخابات البرلمانية في 101 دائرة انتخابية مقسمة إلى 92 دائرة إقليمية و12 دائرة محلية، والتي ستتقاسم 395 مقعدا التي يتألف منها مجلس النواب. يتم توزيع حلقة الموت عبر عدة محاور جغرافية رئيسية.
وتتمتع دائرة الرباط المحيط برمزية سياسية كبيرة، كونها تجتذب الأغلبية وزعماء الخط الأول للمعارضة. كما تنبع أهميتها من أن المقاعد تتقلب من دورة انتخابية إلى أخرى، ولا تكون النتائج مضمونة.
وفي انتخابات 2016، فاز حزب العدالة والتنمية بمقعدين، وفاز حزب الحداثة الحقيقية بمقعد واحد، وحصل ائتلاف اليسار على أربعة مقاعد.
وكانت نتيجة انتخابات 2021 مختلفة تماما، حيث ذهبت أربعة مقاعد إلى حزب الحرية، والتجمع الوطني للأصالة والمعاصرة، والحركة الشعبية والاستقلال، في حين أنهى حزب العدالة والتنمية، الذي رشح رئيس الوزراء سعد الدين عثماني آنذاك، الحملة الانتخابية خالي الوفاض.
ويتنافس في هذه الانتخابات، بالإضافة إلى وزيرين سابقين هما السيد قرفي والسيد بنعتيق، وزير الثقافة والشباب والاتصال محمد مهدي بن سعيد من حزب الحديث الحق، وزعماء حزبيون آخرون يتمتعون بنفوذ سياسي كبير في العاصمة.
يمثل حي الدار البيضاء، إضافة إلى تنوع تركيبته الديمغرافية والاجتماعية، المركز الاقتصادي للمدينة، حيث يضم مراكز مالية ومقار شركات كبرى ومؤسسات اقتصادية وطنية، وأسواقا كبرى، كما يصنف على أنه حي ميت بسبب امتزاجه بين الأحياء الحصرية والثرية مع المناطق المكتظة بالسكان والشعبية.

والمنافسة شرسة في هذه الدائرة، حيث يتنافس 20 مرشحا محليا على أربعة مقاعد. ومن بين المشاركين في هذه الانتخابات، نبيلة منيب، الأمينة العامة السابقة للحزب الاشتراكي الموحد وأحد أبرز رموز المعارضة اليسارية، ونجوى كوكوس رئيسة المجلس الوطني لحزب الحداثة الحقيقية، وحسن البلقاني من حزب الاستقلال رئيس الغرفة الجهوية للتجارة والخدمات بالدار البيضاء، ومحمد الشوبك، رجل الأعمال وزعيم المجلس الوطني لحزب الاستقلال. تم ترشيح السياسيين البارزين.
وعلى النقيض من الدار البيضاء-أنفا، حيث يتم تحديد التنافس الانتخابي من قبل الطبقة العليا والطبقة الوسطى الحضرية، تعد دائرة تارودانت الشمالية، بطابعها الريفي والجبلي، من أكثر مناطق الموت إثارة.
وشهدت الدائرة صراعا مفتوحا على المقاعد الثلاثة بين قادة الائتلاف، بمن فيهم عبد اللطيف وهبي الوزير ورئيس حزب الأصالة والمعاصرة، ورحسان السعدي الوزير ورئيس حزب التجمع الوطني الليبرالي، ومرشحي باقي الأحزاب وشخصيات محلية تربطهم روابط عائلية أو قبلية بمنطقة سوسة.
كما تبرز دائرة بورمان جهة فاس مكناس من بين الدوائر الميتة. هناك أكثر من 14 صوتاً انتخابياً، أحدها برئاسة محمد شوقي زعيم الحزب الوطني الليبرالي، والبقية تقوده شخصيات من أحزاب أخرى، يتنافسون على ثلاثة مقاعد في صراع مرير تتشابك فيه المصالح السياسية الوطنية مع حسابات الانتماء القبلي والعائلي.
معايير الاختيار
وإلى جانب هذه الدوائر، هناك دوائر أخرى بمدن مراكش وطنجة وأكادير، حظيت بمتابعة استثنائية واهتمام إعلامي وسياسي واسع.
ويقول إسماعيل حمودي أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس للجزيرة نت، إن معايير اختيار مرشحي الحزب في الدوائر الميتة تعتمد على طبيعة الحملة الانتخابية.
وأوضح أن السباق في الرباط مثلا هو سياسي لأنها العاصمة، والحزب يحتاج إلى قيادة رمزية. وأضاف: “بما أن المعايير في هذه الحالة تعتمد على طبيعة الدائرة الانتخابية، فمن المهم الإشارة إلى أن كل حزب سياسي يعين قياداته، لا سيما أصحاب الثقل التنظيمي والسياسي”.
وبالنسبة للمناطق الريفية مثل شمال تارودانت، يشير حمودي إلى أن المنافسة لها طابع ثقافي وربما قبلي، لذا تبحث الأحزاب عن مرشحين تنطبق عليهم متطلبات المنطقة. وليس من الضروري أن يكون المرشحون وزراء سابقين أو قادة وطنيين، بل من المشاهير الذين لديهم شبكات محلية يمكنهم حشد جهودهم لتحقيق النصر.
علاوة على ذلك، قال رئيس مجلس الإدارة، إن هذه حسابات داخلية داخل كل حزب، حيث أن الترشيحات في الدوائر الصعبة أو القوية يمكن أن تزيد من الأهمية السياسية للمرشح داخل تنظيم الحزب، في حين أن الترشيحات في الدوائر المضمونة يمكن أن تكون استثمارًا سياسيًا طويل المدى.
رسالة سياسية
ولا تقاس نتيجة الدائرة الانتخابية الميتة بعدد المقاعد في مجلس العموم، بل بالرسالة السياسية التي يرسلها الحزب حول مدى قدرته على الدفاع عن أرضه ورموزه.
ويوضح حمودي أن الفوز في دائرة ذات قدرة محدودة، أي دائرة بعدد مقاعد يتراوح بين مقعدين إلى ثلاثة مقاعد، يعد “مؤشرا مبكرا على الخريطة الانتخابية، باعتبار أن الدائرة الانتخابية دائرة متأرجحة، ويمكن أن تحدد النتيجة الحزب المهيمن في الانتخابات، خاصة على صعيد القوانين الانتخابية التي تعتمد على توزيع الأصوات على أساس عدد المسجلين وليس الناخبين”.
في المقابل، قال حمودي إن الدوائر الانتخابية الأخرى تحمل رسالة رمزية، موضحا أن الفوز بالمقعد يمكن أن يأتي برسالة رمزية أكبر من المقعد نفسه، وأن خسارة زعيم حزب في دائرة صعبة تشكل ضربة للمرشح، كما تحمل تكلفة رمزية، كما أنها ترسل رسالة للحزب.




