الدار البيضاء تستذكر قصص شخصيات مغربية تركت أثرا لا ينسى

استسلم إيمجوري
افتتحت مدينة الدار البيضاء أمام الجمهور معرضا جديدا يستعرض مسيرة خمسة مغاربة متوفين ويخلد ذكرى الكتب والدراسات والدراسات والوثائق التي تركوها وراءهم والتي ساهمت في إثراء الحياة الفكرية والثقافية بالمغرب، تخليدا لأسماء مغربية عديدة تركت بصمة واضحة في مجالات الأدب والفلسفة والتاريخ والأنثروبولوجيا.
ويجمع هذا اللقاء الثقافي أشخاصا من مختلف التخصصات ومهتمين بالبحث والمعرفة وتسجيل الذاكرة المغربية. وهي مبادرة يشارك فيها الشاعر محمد السرغيني، والمؤرخ حامد التريكي، والفيلسوف عبد العلي العمراني جمال، والأنثروبولوجي عبد الرحمن الركاسي، والمؤرخ لطفي بوشينتوف، وتهدف إلى إعادة تقديم أعمالهم إلى الأجيال الجديدة وربط الحاضر بالإنتاج الفكري والثقافي العريق.
ويتعرف هذا المعرض على مسيرة هؤلاء المفكرين والباحثين من خلال عرض بعض إنجازاتهم العلمية والأدبية، بالإضافة إلى سجلاتهم الكتابية والببليوغرافية، مما يتيح للزوار التعرف على طبيعة اهتماماتهم ومجالات خبرتهم وتطور مشاريعهم الفكرية. كما يركز على الكتب والأبحاث التي أصدروها، والتي نقلت منها إلى لغات أخرى، وذلك لإبراز اتساع حضورهم داخل المشهد الثقافي المغربي وخارجه.
ويبرز مسار الفيلسوف عبد العلي العمراني جمال كنموذج للباحث الذي استطاع ربط التقليد العربي الإسلامي بالفكر الفلسفي الأوروبي، وجعل هذا التداخل الثقافي أساسًا للبحث المتخصص في الفلسفة العربية الإسلامية وتاريخ الأفكار. تعرض للغة والمنطق والفلسفة والتصوف منذ المراحل الأولى لتكوينها، ثم واصل دراسته في فرنسا ونشط في مؤسسات البحث الأكاديمي.
إقرأ أيضاً : الحبس أجمل حي في الدار البيضاء
تمتد اهتمامات العمراني جمال إلى دراسة الترجمات العربية لأعمال أرسطو، وخاصة الأورغانون، وكيف تم تلقي هذه الترجمات ضمن الثقافة الإسلامية الغربية، وهو مجال بحث يتطلب معرفة واسعة بالتراث اللغوي والفلسفي. كما ارتبط اسمه بالعديد من الجامعات ومعاهد البحث في فرنسا والمغرب، حيث شارك في التدريس والإشراف الأكاديمي، تاركا وراءه مسارا علميا يتميز بالانفتاح على التقاليد المعرفية المتعددة.
وفي نفس السياق، يحتل المؤرخ حميد التريكي مكانة خاصة بين الباحثين المهتمين بالتاريخ الاجتماعي المغربي، إذ خصص جزءا لا بأس به من أبحاثه لدراسة الأوبئة والمجاعة والتحولات التي شهدها المجتمع المغربي في فترات مختلفة من تاريخه. وقد شكّل هذا الاهتمام مدخلاً لقراءة التاريخ من خلال تفاصيل الحياة اليومية والبنى الاجتماعية، فضلاً عن الأحداث السياسية الكبرى.
وسع التريكي بحثه ليشمل المدن المغربية وما يرتبط بها من هندسة معمارية وصناعة وحرف وتقاليد شفهية، مع التركيز على مدن مثل آسفي ومراكش وفاس والرباط. ويرتبط اسمه أيضا بجهود توثيق التراث المغربي المادي وغير المادي، ومن خلال البحث الأكاديمي والعمل الميداني ساهم في مشاريع تهدف إلى عرض التراث الثقافي وحمايته وتقييمه.
ويرتبط جزء من هذا الجهد بالجهود المبذولة لإدراج بعض مواقع التراث المغربي على قائمة التراث العالمي للإنسانية، فضلا عن الجهود المحلية لتوثيق تاريخ المدينة ومعالمها وآثارها ومساراتها الروحية. ومن هذا المنطلق، لم يقتصر عمل التريكي على الكتب والدراسات، بل امتد إلى الميدان، ساعيًا إلى تحويل المعرفة التاريخية إلى أداة لحفظ الذاكرة الجماعية.
كما يستذكر المعرض تجارب الشاعر محمد السرغيني، أحد الأسماء البارزة في الحركة الشعرية الحديثة بالمغرب. وقد جمع خلال مسيرته الطويلة بين الإبداع الشعري والبحث الأكاديمي والدراسات الأدبية والترجمة. ارتبط اسمه بالتعليم الجامعي منذ ستينيات القرن الماضي، وتراكمت لديه خبرات علمية وأدبية وأثبت حضوره في العديد من مجالات الثقافة المغربية.
تنوعت أعمال السرغيني بين الشعر والروايات والدراسات الأدبية والفنية. كما عمل على ترجمة النصوص والأبحاث من الفرنسية والإسبانية، وفتح الأبواب أمام مجالات النظرية والنقد والسيميائية. ولم يكن الشعر بالنسبة له مجرد ممارسة إبداعية، بل كان مساحة للتفكير في الإنسانية والوجود والثقافة، وهو ما أضفى على تجربته الشعرية طابعا معرفيا خاصا.
كما انفتح الشعراء المغاربة على التجارب الشعرية والفكرية العربية والأوروبية والعالمية، ووسعوا آفاقهم الثقافية من خلال معرفتهم بالعديد من اللغات. وظهر في أعماله تقاطع الشعر مع الفلسفة والتصوف والفن، مما شكل تجربة أدبية تقوم على تراكم واسع من المعرفة واستكشاف المكانة الخاصة للشعر في منظومة الفكر والثقافة.
يعيد المعرض التأكيد أيضًا على مسار عبد الرحمن الركاسي، الذي جعل من الثقافة الأمازيغية مجالًا مركزيًا للدراسة والبحث، ويتناول موضوعاتها وتعبيراتها العديدة، من الشعر والذاكرة المحلية إلى الفن السردي والمخطوطات والمعتقدات الشعبية والممارسات الدينية، بالإضافة إلى المسرح والسينما والإبداع المعاصر.
تابع ركاسي مسيرته الأكاديمية بين مختلف المدن والفضاءات الأكاديمية قبل أن يؤسس اهتماما بالثقافة الأمازيغية باعتبارها عنصرا هاما في المجتمع المغربي وذاكرته. كما عمل على موضوعات بحثية تتعلق بالبنية الاجتماعية والمجالات القبلية والجمعيات الثقافية الأمازيغية المعاصرة، مما ساهم في توسيع البحث حول الثقافة الأمازيغية داخل الجامعة وخارجها.
كما اهتم الباحث بفكر ابن خلدون وشارك في إعداد دراسة تناولت تاريخ الشاي في المغرب وتحولاته الاجتماعية والثقافية. اعتمدت هذه الدراسة على مزيج من التوثيق التاريخي والتحليل الاجتماعي، مما أدى إلى أن يصبح الشاي مدخلا لقراءة التغيرات في المجتمع المغربي وعلاقاته وعاداته وأنماط استهلاكه وتفاعلاته مع التحول الثقافي.
ويختتم المعرض السلسلة باستدعاء تجارب المؤرخ لطفي بوشنتوف الذي ينتمي إلى جيل من الباحثين المغاربة الذين أعادوا النظر في طريقة دراسة التاريخ المغربي والتركيز على بنياته الاجتماعية والاقتصادية والدينية العميقة، بدلا من الاكتفاء بتتبع الأحداث السياسية الكبرى.
ويقدم بوشنيتوف تفسيرا خاصا للتاريخ الديني المغربي، وهو ما يظهر بوضوح في دراسته للعلاقة بين العلماء والسلطات والتحولات السياسية التي شهدها المغرب. كما اعتمد على مصادر تاريخية متنوعة، منها كتب الكوارث وسير العلماء والأساتذة، للكشف عن الدور الذي لعبته النخب الدينية والعلمية في المراحل الرئيسية من تاريخ البلاد.
كما اهتم المؤرخ بالظواهر الدينية من منظور تاريخي وأنثروبولوجي وشارك في العمل الهادف إلى تقريب المعرفة التاريخية إلى الجمهور من خلال الكتابة الصحفية والمساهمات في المجلات الثقافية والعلمية وإنشاء مواد مبسطة عن مصادر التاريخ المغربي.
بشكل جماعي، توفر هذه المبادرة الثقافية مساحة لإعادة قراءة إرث خمسة مغاربة غادروا المشهد ولكنهم تركوا وراءهم أعمالا علمية وأدبية وفكرية لا تزال موجودة في المكتبات والجامعات والبحث الأكاديمي. ستتاح للزوار أيضًا فرصة التعرف على تنوع المدارس والمناهج التي ساعدت في تشكيل بعض الثقافة المغربية الحديثة.
إن استحضار هذه الشخصيات يتم في سياق يتجاوز مجرد تكريم أسماء الراحلين؛ ويصبح المعرض فرصة لإعادة اكتشاف أعمال قد تكون أقل حضورا في الذاكرة الثقافية الشعبية، وفرصة لدعوة الأجيال الجديدة للعودة إلى الكتب والدراسات التي أنتجت جوانب من التاريخ الفكري المغربي.
ويؤكد هذا التعيين الثقافي من جديد أن الحفاظ على الذاكرة لا يقتصر على الحفاظ على المباني والمخطوطات والمواقع التراثية، بل يشمل أيضًا الحفاظ على تأثير أولئك الذين ساهموا في تفسير المجتمعات وتاريخها وثقافتها، والذين تركوا وراءهم أسئلة وأفكارًا يمكن أن تفتح نقاشات جديدة حول الإنسانية والمجتمع والهوية والمعرفة.
يجمع هذا المعرض بين الأدب والفلسفة والتاريخ والأنثروبولوجيا، ويقدم صورة متعددة الأوجه للمشهد الفكري المغربي، مسترجعا أسماء تباينت مجالات عملها، ليجتمع على هدف واحد: البحث والكتابة والتوثيق ونقل المعرفة. وهكذا أصبحت مسارات محمد السرغيني، وحميد التريكي، وعبد العلي العمراني جمال، وعبد الرحمن ركصاصي، ولطفي بوشانتوف، جزءاً من الذاكرة الثقافية التي تستحق أن تبقى في الخطاب العام وفي أيدي الباحثين والقراء.




