سياسة

فاطمة الزهراء المنصوري وتاريخ المغرب الحديث: قراءة شبه سياسية لتحول المعنى والسلطة – البوابة الرسمية لحزب الأصالة الحديثة

السياسيون ليسوا مجرد ممثلين يتحركون في التاريخ. وفي لحظات معينة تتحول الشخصيات نفسها إلى رموز تلخص بعض تحولات المجتمع والدولة.

ومن هذه الزاوية تحديدا، يمكن قراءة فاطمة الزهراء المنصوري ليس فقط كامرأة حققت مكانة سياسية ومؤسساتية رفيعة، بل أيضا كامرأة لها سلسلة من الدلالات التي تتقاطع مع التحولات التي يشهدها المغرب المعاصر منذ عقدين تقريبا.

إنها قراءة لا تنظر إلى السير الذاتية الفردية، بل إلى المعاني التي يخلقها المسار عندما يوضع في زمنه السياسي والاجتماعي.

عندما تم انتخاب المنصوري رئيسا للمجلس الإقليمي لمراكش عام 2009، لم يكن الحدث مجرد تغيير في قيادة المجلس الإقليمي. لقد كانت شابة صعدت إلى واجهة الحكم المحلي في إحدى المدن المغربية ذات الرمزية التاريخية الكبرى.

أعطت مراكش، بذاكرتها السياسية والثقافية، للحظة معنى خارج نطاق السيطرة المحلية. إنها مدينة غارقة في تاريخ قيادة المرأة في مجتمع ارتبطت فيه صور السلطة بصور الرجال في أجزاء مهمة من الخيال السياسي والاجتماعي.

ومنذ تلك اللحظة، سيتنقل في المسؤوليات البرلمانية والحزبية والحكومية، قبل أن يعود سنة 2021 رئيسا للمجلس الجماعي لمراكش ويتولى منصبا بوزارة التهيئة الترابية والتعمير والإسكان والسياسة الحضرية.

وفي القراءة السيميائية، تستمد العلامة معناها لا من نفسها بل من المنظومة التي تظهر فيها، وبالتالي فإن أهمية المنصوري لا تكمن في كونها امرأة في المجال السياسي فحسب، بل في أن مسارها يجسد انتقال المرأة المغربية من موضوعات السياسة العامة إلى موضوعات فاعلة في إنتاج السياسة نفسها.

وهنا يحدث تغيير في المعنى. من مسألة تمثيل المرأة داخل النظام، إلى حضور المرأة في صنع القرار، ومن المطالبة بتمهيد الطريق إلى واقع أن تصبح المرأة جزءا من هيكله القيادي. إنه انتقال من رمزية الوجود إلى مركزية الفعل.

ويكتسب هذا المسار أهمية أكبر عندما يوضع في سياق التحول الذي شهده المغرب خلال العقدين الماضيين. فمن إصلاح قانون الأسرة إلى دستور 2011 ومبادئه المتعلقة بالمساواة والمساواة، ومن توسيع وصول المرأة إلى التعليم والقوى العاملة، إلى زيادة حضور المرأة في المؤسسات المنتخبة والإدارة العمومية والاقتصاد والمجتمع المدني، تبلورت تغييرات كبيرة في وضع المرأة في المجتمع المغربي.

ولذلك لا يبدو المنصوري بمثابة قطيعة مفاجئة مع التاريخ، بل هو أحد أقوى الصور السياسية للمسار المتشكل داخله. التغيرات الهيكلية عادة لا تحدث على الفور. إنها تبدأ كتغيرات متفرقة في القانون والتعليم والأسرة والعمل والتعبير الاجتماعي، ثم تتراكم حتى تخلق صورًا جديدة للاحتمال.

ما كان استثناءً يصبح تدريجيًا احتمالًا، وما كان احتمالًا يبدأ في أن يصبح حقيقة، وما أصبح حقيقة يعيد تشكيل الخيال الجماعي.

في هذا الجدل بين التراكم والتحول، يمكن قراءة مسار المنصوري كجزء من تحول أوسع في المجتمع المغربي نفسه، تبدأ من بعده تجربة القيادة الجماعية لحزب الحداثة الأصيلة ما بعد 2024، لتضفي مظهرا سياسيا مختلفا.

ولم يكن اختيار البنية القيادية الجماعية، التي تولت فيها فاطمة الزهراء المنصوري مهمة المنسق الوطني للقيادة، مجرد تعديل تنظيمي، بل تضمن محاولة لإعادة بناء صورة قيادة الحزب ضمن بنيتها الرمزية.

وبدلاً من تركيز المعنى السياسي على صورة القادة الأفراد، ظهر الاعتراف الذي كان يقوم على توزيع المسؤوليات وتوليد القرارات داخل الهياكل الجماعية. وهنا تتقاطع أهمية القيادات النسائية مع أهمية التجديد في شكل القيادة نفسها: تغييرات في الوكالة وتغييرات في آليات العمل.

ثم جاءت محطة 2026، وتصدر حزب الحداثة الحقيقية الانتخابات البرلمانية، وعين صاحب الجلالة الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري أول رئيسة وزراء في المغرب، مما أعطى المسار زخمه التاريخي.

وهنا، تتجاوز العلامة التجارية حدود الشخصية والحزب السياسي. وذلك لأن وجود المرأة على رأس الحكومة يعيد تشكيل صورة السلطة التنفيذية في المخيلة المغربية وينقل المرأة من دائرة المشاركة في صنع القرار إلى أعلى مستويات المسؤولية الحكومية.

إن الأهمية السيميائية لهذه اللحظة لا توجد فقط في حقيقة الوصول، ولكن أيضًا في إعادة تعريف الإمكانية. إن كل مجتمع، من خلال رموزه ومؤسساته، يضع لنفسه حدودا ضمنية لما يراه ممكنا ومستحيلا.

ومع تغير صورة الأشخاص الذين يشغلون مناصب مرتبطة تاريخيًا بالرجال، تتغير الحدود وفقًا لذلك. وتواجه الفتيات المغربيات صورا جديدة للكفاءة والطموح والمسؤولية، حيث أصبحت القيادة النسائية أقل ارتباطا بالاستثناء وأكثر طبيعية ومؤسساتية.

وتصبح هذه الصورة أكثر قوة عندما توضع في سياق تاريخ المغرب الحديث. وهذا المسار الذي بدأ بتوسيع مكانة حضور المرأة في التعليم والعمل والمجتمع، وانتقل إلى تعزيز حضورها القانوني والمؤسساتي، يصل هنا إلى لحظة رمزية تفتح فيها أعلى المناصب الحكومية أمام المرأة.

إنها حركة من المحيط إلى المركز، من التظاهر إلى القيادة، من الاعتراف بالحق في المشاركة إلى الممارسة الفعلية للمسؤولية.

هناك مفارقة جميلة في شخصية المنصوري، تتعلق بمعنى الأصالة والمعاصرة. إنها ابنة مراكش، المدينة الغارقة في التاريخ والذاكرة والرمزية، وتنتمي في الوقت نفسه إلى جيل سياسي تكوّن في مغرب منفتح وسريع التغير. وبين هذين الجانبين يمكننا أن نقرأ شيئا من المغرب الحديث نفسه. إنه الوطن الذي، وهو متمسك بعمقه الثقافي، يتقدم بثبات في العصر الحديث، ويستمر في الحفاظ على ذكرياته دون الحد من مستقبله.

فالأصالة هنا لا تعني البقاء في الماضي، والحداثة ليست قطيعة مع الماضي، بل هي حركة جدلية تجعل من الجذور نقطة ارتكاز للتغيير. ولذلك، فإن صورة المرأة التي تتولى منصب رئيس الحكومة في مراكش لها قوة رمزية خاصة. مدينة التاريخ تصنع إحدى صور المستقبل، وتصبح المساحات المليئة بذكريات السلطة نقطة انطلاق لمسار المرأة للوصول إلى قلب صنع القرار الحكومي.

وهنا يمكن أن نفهم فاطمة الزهراء المنصوري على أنها أكثر من مجرد شخصية سياسية في اللحظة الانتخابية. إنها رمز لتحول مجتمعي أوسع يتقاطع مع قضايا المرأة والسلطة والحداثة والهوية وتغيير النخب وإعادة تشكيل صورة القيادة.

تشير كل هذه الدلالات إلى مغرب يتغير من الداخل، من خلال التراكم وليس التدمير، ومن خلال إعادة إنتاج المؤسسات والرموز بأشكال جديدة.

إن التاريخ الحديث لا يتشكل من خلال قرارات بالغة الأهمية وأحداث محورية فحسب، بل وأيضاً من خلال التغيرات في الطريقة التي تنظر بها المجتمعات إلى نفسها. ومع تغير صورة المرأة في السلطة، يتغير معها جزء من صورة المجتمع نفسه. عندما يصبح ما يبدو استثنائياً ممكناً، وعندما تصبح هذه الإمكانية حقيقة مؤسسية، فإننا نواجه تحولاً يمتد إلى ما هو أبعد من الفرد إلى بنية التعبير ذاتها.

تحقيقا لهذه الغاية؛ يمكن قراءة فاطمة الزهراء المنصوري كعلامة من علامات التحولات التراكمية في التاريخ المغربي الحديث. من مجتمع كافحت فيه المرأة لتوسيع حضورها، إلى مجتمع تمكنت فيه المرأة من الوصول إلى أعلى مستويات المسؤولية السياسية، من حداثة نوقشت كأفق إلى حداثة وجدت بعض التعبير عنها في هياكل المؤسسات، ومن تساؤلات حول قدرة المرأة على القيادة إلى واقع أصبحت فيه القيادة النسائية جزءا من السياسة المغربية. مشهد.

التاريخ لا يصنع بالرموز وحدها، بل نحتاج إلى رموز اجتماعية لنرى التغيرات التي تحدث داخل المجتمع. وفي هذه اللحظة من تاريخ المغرب، تحمل فاطمة الزهراء المنصوري هذه القوة الرمزية. من تاريخ مراكش العميق إلى رئاسة الحكومة، من رمزية الحضور النسوي إلى براغماتية القيادة، من تراكم التغيير إلى تحول المجتمع، هذه امرأة تكثف في طريقها جزءا من تاريخ التحول المغربي. لحظة نقلة نوعية.

وبهذا المعنى، فهي ليست مجرد امرأة في التاريخ المغربي الحديث، بل هي إحدى العلامات التي يمكن أن يقرأ فيها هذا التاريخ نفسه. إنه المغرب الذي يستمد قوته من الذاكرة، ويعيد تشكيل الحاضر ويفتح باستمرار مساحات جديدة للإمكانيات.

المؤلف: حمادة الربابي
أعضاء أمانة منظمة شباب الأصالة والمعاصرة

#فاطمة #الزهراء #المنصوري #وتاريخ #المغرب #الحديث #قراءة #شبه #سياسية #لتحول #المعنى #والسلطة #البوابة #الرسمية #لحزب #الأصالة #الحديثة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button