مجتمع

كبار السن في المغرب هم في أحضان المجتمع وأسرهم.

ومع وصول معدل الولادات في المغرب إلى أدنى مستوياته، تتوقع المندوبية السامية للتخطيط (الحكومة) أن يتجاوز عدد البالغين فوق 60 سنة 10 ملايين، أي ما يعادل 25,2 بالمائة تقريبا من إجمالي السكان، ومن المتوقع أن يتضاعف عدد المسنين بحلول عام 2060، ومن المتوقع أن يصل عدد دور رعاية المسنين إلى 71 مؤسسة بالإضافة إلى 46 ناديا نهاريا. وفي ظل التغيرات المجتمعية والضغوط الاقتصادية، برزت تساؤلات حول احتمال زيادة عدد كبار السن في دور الرعاية هذه، فيما تعمل السعودية على برامج لدعم الأسر لمواصلة رعاية المسنين.

زيادة الحاجة إلى الرعاية

تساهم العوامل الاجتماعية والاقتصادية في تفاقم الظروف لدى بعض كبار السن. وذلك لأن كبار السن لديهم حاجة متزايدة للرعاية من الآخرين، لذلك يتعين عليهم إيجاد بيئة رعاية أو اللجوء إلى دار رعاية المسنين. ويلخص المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في أحد تقاريره هذه الأوضاع ويذكر أن الفئات العمرية الأكبر سنا تشهد مستويات تعليمية أضعف وأوضاعا اجتماعية واقتصادية وصحية أضعف. سبعة من كل عشرة من كبار السن أميون، ومعظمهم من ذوي الدخل المنخفض، ويعيش واحد على الأقل من كل عشرة من كبار السن في فقر، وأكثر من نصفهم يعانون من مرض مزمن واحد على الأقل ويفتقرون إلى الرعاية الطبية أو الحماية الاجتماعية والصحية. بالإضافة إلى ذلك، يحصل بعض كبار السن على معاشات تقاعدية منخفضة أو يفتقرون إلى مزايا الضمان الاجتماعي، مما يضطرهم إلى مواصلة العمل مع البقاء معتمدين على الآخرين لتلبية جميع احتياجاتهم الأساسية. ويبين التقرير أن الأسر، وخاصة النساء داخل الأسرة، لا تزال تلعب دورا أساسيا في رعاية المسنين، وبالتالي فإن دخول المرأة المتزايد إلى سوق العمل سيضع حتما تماسك الأسرة تحت تحديات صعبة.

وفي ظل هذه الظروف، زاد عدد دور رعاية المسنين تدريجياً، وفي عام 1990 كان هناك ما يقرب من 30 منشأة تؤوي أكثر من 1300 شخص. وفي عام 2014، ارتفع العدد إلى 53 منشأة عادية و6 مرافق تقدم الرعاية النهارية، واستفاد من هذه المرافق ما مجموعه 5200 شخص من كبار السن في الفئتين. وفي عام 2023، سيصل عدد هذه المرافق إلى ما يقارب 70 منشأة في جميع أنحاء المملكة، وسيبلغ إجمالي عدد المستفيدين من خدمات هذه المرافق ما يقرب من 6000 شخص، بينهم 2328 امرأة، وقد وصل العدد اليوم إلى 71 منشأة لرعاية المسنين، بالإضافة إلى 46 ناديًا نهاريًا، يستفيد منها 7900 من كبار السن. تمثل مرافق الرعاية الاجتماعية أحد ركائز نظام الحماية الاجتماعية المحلي في المغرب وتقع في قلب السياسة العامة والبرامج الحكومية. وبحسب دراسة حول تطوير اقتصاد الرعاية أجرتها منظمة الإسكوا التابعة للأمم المتحدة، فإن هذه المؤسسات لا تستقبل الأشخاص الذين يعانون من ظروف صعبة فحسب، بل تساهم أيضًا في دمجهم في الحياة الأسرية والاجتماعية وتدريبهم وتسهيل مشاركتهم في القوى العاملة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقالات ذات الصلة الموضوعة في (حقل العقد ذات الصلة).

التغيرات في هيكل الأسرة

تحولت تركيبة الأسرة في المغرب تدريجيا من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، حيث وصلت نسبتها إلى 73%. ومن المتوقع أن يزداد عدد كبار السن الذين يحتاجون إلى الدعم في السنوات المقبلة، نظرا للتغيرات الاجتماعية مثل تزايد ظاهرة الأزواج الذين ليس لديهم أطفال والأسر التي لديها طفل واحد وتزايد النزعة الفردية لدى بعض الأجيال الناشئة. وفي معرض تفسيره لتغير بنية الأسرة، يوضح عالم الاجتماع القانوني صالح النقاش، أنه حتى وقت قريب، كانت الأسر المغربية، خاصة تلك التي تسكن القرى والمناطق الصحراوية، متجذرة بعمق في بنية المجتمع المغربي، مع انتشار الروابط العشائرية والقبلية في العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، واعتمدت “الاقتصاد المشترك” المعروف محليا باسم “المائدة المشتركة”، ويرتبط بمختلف الوظائف، والوظائف الاقتصادية. إن التعليم والعلاج والحماية والتضامن والترفيه يعني أن الأسرة قد حققت الاكتفاء الذاتي على معظم المستويات، لكن التغيرات العميقة التي شهدها المجتمع بشكل عام والأسرة بشكل خاص أدت إلى فقدان الأخيرة الكثير من عناصر الاهتمام لفئة المسنين، وارتفع مستوى الفردية داخل الأسرة، واضطرت الدولة إلى إنشاء مساكن للعجزة والمسنين.

دعم الأسر بدلاً من إنشاء دور الرعاية

تتجه السياسة العمومية المغربية نحو دعم الأسر لمواصلة رعاية المسنين، بدلا من الاستثمار في إنشاء مرافق جديدة لرعاية المسنين، وذلك تماشيا مع طبيعة المجتمع المغربي الذي يتبنى مبدأ التضامن. وقال وزير الدولة لشؤون التضامن عبد الجبار اللاخدي، إن “هدف الحكومة ليس زيادة عدد دور الرعاية، لأن ذلك لا يتماشى مع نموذجنا وقيمنا الاجتماعية، لكننا ملتزمون بوضع سياسات عامة متكاملة تهدف إلى دعم وحدة الأسرة وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الأزمة الحالية”، مضيفا أنه تم إطلاق إطلاق في هذا الاتجاه. ويقدم برنامج “نادي النهار” للمسنين خدمات الرعاية الصحية الأولية والأنشطة الثقافية والرياضية، ويعودون في المساء إلى أحضان أسرهم، مؤكدا أن الوضع أصبح مقلقا نظرا لوجود تغيرات اجتماعية وقيمية في المجتمع المغربي.

في حين يوضح محمد حبيب، الباحث في مجال علم النفس الاجتماعي، أن الأمر لا ينبغي أن يقتصر على عدد دور رعاية المسنين التي يمكنها استيعاب الأعداد المتزايدة من المسنين. بل علينا أن نطرح أسئلة أعمق. والسؤال هو: هل المجتمع المغربي مستعد للانتقال من نموذج الرعاية الأسرية التقليدية إلى نموذج تتقاسم فيه الأسرة والدولة والمؤسسات الاجتماعية مسؤولية رعاية المسنين؟ وأشار إلى أن التغيرات التي تعيشها الأسر المغربية، من صغر حجم الأسرة إلى الهجرة والتغيرات المهنية والضغوط الاقتصادية، قد تحد من قدرتها على توفير الرعاية اليومية، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن قيم التضامن ستنخفض أو أن تمرد الأطفال على والديهم سينتقل إلى الأجيال الشابة. من الناحية النفسية، لا يحتاج كبار السن إلى السكن والغذاء والعلاج الطبي فحسب، بل يحتاجون أيضًا إلى الشعور بالأمان والانتماء والاعتراف بقيمتهم الاجتماعية والاستقلال والحفاظ على العلاقات.

يتوقع الباحثون أن الطلب على خدمات الرعاية المنظمة سيزداد في المستقبل، ولكن ما لم تتوفر بيانات دقيقة عن سعة المنشأة ومعدلات الإشغال واحتياجات الرعاية الفعلية، فمن المستحيل تحديد مدى ضعف قدرة المرافق الحالية على تلبية هذا الطلب. ولذلك، يرى أن الحل لا يكمن فقط في بناء المزيد من المساكن للمسنين، بل في تطوير خدمات الرعاية المنزلية والنهارية، ودعم الأسر، وضمان مؤهلات الأخصائيين الاجتماعيين والعاملين في مجال الصحة، وضمان جودة الرعاية المؤسسية حيثما كان ذلك مناسبا. وأوضح أن نجاح المغرب في مكافحة شيخوخة السكان لن يقاس بعدد الملاجئ المقامة فحسب، بل بقدرتها على توفير تقاعد كريم وآمن. الرهان ليس على إيجاد مكان لكل مسن في دار لرعاية المسنين، بل على ضمان أن يكون لكل مسن مكان في المجتمع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button