محمد بن عرفة: سلطان المغرب اختفى من الذاكرة التاريخية – بي بي سي نيوز

مصدر الصورة, صور جيتي
وفي 30 سبتمبر 1955، تنازل سلطان المغرب محمد بن عرفة عن العرش وغادر طنجة إلى فرنسا حيث أقام حتى وفاته في 17 يوليو 1976 عن عمر يناهز 90 عاما. ودفن هناك ولم تنقل رفاته إلى المغرب إلا في الثمانينيات حيث دفنت في فاس. من هو محمد بن عرفة الذي تولى العرش العلوي من 1953 إلى 1955؟
بدأت قصته قبل عقود من اعتلائه العرش، وتحديدا سنة 1912، عندما قسمت فرنسا وإسبانيا الأراضي المغربية. وتم وضع منطقتي الريف الشمالي والصحراء الغربية تحت الحماية الإسبانية، بينما تم وضع الأراضي المغربية الوسطى تحت الحماية الفرنسية.
البداية والحماية من فرنسا
محمد بن عرفة، أحد أفراد الأسرة العلوية الحاكمة، ولد بمدينة فاس بالمغرب عام 1886. وهو ابن مولاي عرفة ابن السلطان محمد بن عبد الرحمن بن هشام. وبحسب المصادر التاريخية الفرنسية، فهو أيضًا ابن عم السلاطين عبد العزيز وعبد الحفيظ ويوسف.
نشأ في بيئة تقليدية مليئة بالقيم الدينية والارتباطات بالريف، لكنها بعيدة عن مراكز صنع القرار داخل القصر. كان يميل في سنواته الأولى إلى التدين والمعتدل، ولم يكن له دور يذكر في الحياة العامة. هذه العزلة جعلته شخصية غير جذابة للمغاربة والفرنسيين على حد سواء، إلى أن تغير الوضع جذريا بعد عدة عقود.
وبعد فرض معاهدة الحماية عام 1912، تم تقليص صلاحيات السلطان إلى دور بروتوكولي في ظل السيطرة السياسية والإدارية على المقر الفرنسي. ومع مرور السنين، أصبح المغاربة ينظرون إلى السلطان باعتباره رمزًا أخلاقيًا للسيادة الوطنية في مواجهة الاستعمار، خاصة مع صعود الحركات القومية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين.
مصدر الصورة, صور جيتي
وتحول السلطان محمد الخامس بعد ذلك إلى زعيم شعبي تجاوز مكانته الدينية وأصبح رمزا سياسيا للمقاومة السلمية بفضل حضوره الكاريزمي ودعمه للحركات الوطنية، لكن هذه المكانة أقلقت فرنسا التي بدأت تبحث عن بدائل قد تقوض سلطته الأخلاقية.
اختيار محمد بن عرفة لم يكن من قبيل الصدفة. ولم يكن ناشطاً سياسياً قط ولم يكن معروفاً بمواقفه الحادة، لذلك اعتبره الفرنسيون شخصية ناعمة يمكن السيطرة عليها بسهولة. وفي الوقت نفسه، اعتقدوا أن أصله من العائلة العلوية سيمنحه شرعية شكلية كافية لجعل الرأي العام المغربي يعتقد أن هناك استمرارية للشرعية. لكن هذه الحسابات لم تأخذ في الاعتبار الوعي العام المتزايد.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، دخل المغرب مرحلة جديدة من الإصلاح والمطالب السياسية. وقع حزب الاستقلال على وثيقة المطالبة بالاستقلال عام 1944، ونُظمت مظاهرات شعبية واسعة النطاق، صاحبتها اعتقالات واضطهاد من قبل السلطات الحمائية.
وفي هذه المرحلة، دعم السلطان محمد الخامس الحركة الوطنية وأكد شرعية المطالبة بالاستقلال. وهذا الموقف دفع فرنسا إلى النظر إليه باعتباره تهديدا لمخططاتها الاستعمارية، ومع تزايد الضغوط الفرنسية عليه، تعاظمت مكانته في قلوب المغاربة. وهذا استنادا إلى ما جاء في كتاب عبد الكريم غراب “تاريخ الحركة الوطنية المغربية”.
وفي 20 أغسطس 1953، قامت فرنسا بنفي محمد الخامس إلى كورسيكا، ثم إلى مدغشقر. وكان هذا القرار بمثابة نقطة تحول حاسمة، حيث لم يتوقع المغاربة أن تصل فرنسا إلى حد مهاجمة السلطان. وفي نفس اليوم، تم إنشاء قنصلية فرنسية بقيادة تامي الكلاوي، باشا مراكش، ومحمد بن عرفة العلوي، الذي كان عمره آنذاك 67 عاما.
منذ البداية، عاش محمد بن عرفة منعزلا داخل قصره، ولم يحصل على قسم البيعة التقليدي من غالبية العلماء الذين يمثلون المرجعية الدينية للمجتمع المغربي، وتجاهلت العديد من المدن والقبائل وجوده تماما، رغم أن الحزب الوطني استمر في إصراره على أن الملك المخلوع محمد الخامس هو السلطان الشرعي.
أطلق المغاربة على محمد بن عرفة لقب سلطان فرنسا. في 11 سبتمبر 1953، بعد أقل من شهر من توليه منصبه، اغتيل على يد علال بن عبد الله بعد صلاة الجمعة في مسجد المواسين بمراكش، وقُتل في نفس الحادثة على يد أحد حراس السلطان الشخصيين، كما أصيب عبد الله أيضًا بجروح طفيفة. ولم تكن هذه المحاولة الأخيرة لحياته، لكنه نجا من كل محاولات الاغتيال.
ولم يقتصر الرفض على نخب الدولة، بل امتد إلى عامة الناس. وخرجت مظاهرات حاشدة رافضة لحكمه في مدن مغربية، خاصة الدار البيضاء والرباط وفاس. وظهرت على الجدران كتابات تطالب بعودة الملك محمد الخامس، ووزعت منشورات سرية تهاجم محمد بن عرفة وتصفه بالعميل. كل هذا يعني أن وجوده في السلطة أدى إلى تفاقم الأزمة السياسية بدلاً من تهدئتها.
مصدر الصورة, صور جيتي
وأدركت سلطات الحماية نفسها أن الوضع معقد، حيث فشل محمد بن عرفة في تحقيق أهدافه المرجوة، وبدأت جماعات المقاومة المسلحة، مثل جيش التحرير المغربي، الذي تأسس عام 1955، تتعزز. ونفذت هذه المجموعات عمليات ضد فرنسا وعملائها، مما دفع البلاد إلى حافة الانفجار الشامل. وهنا أدركت فرنسا أن الاعتماد على اللوحات الإعلانية لا يحقق الاستقرار.
ومع تفاقم الأزمة، بدأ محمد بن عرفة يفكر جدياً في الاستقالة. وفي صيف عام 1955، أعلن لبعض أصدقائه المقربين أنه لم يعد بإمكانه البقاء في منصب يهدد حياته ويريد التنازل عن العرش. وبعد محاولات اغتيال متكررة وضغوط داخلية وخارجية، اضطر إلى إعلان استقالته في 30 سبتمبر 1955، قبل أن يتوجه إلى طنجة ومنها إلى فرنسا لإقامة مطولة.
مهدت استقالة محمد بن عرفة الطريق لعودة الملك محمد الخامس. وفي 16 نوفمبر 1955، عاد السلطان المنفي إلى الرباط وسط ضجة كبيرة، معلنا فعليا نهاية شرعية بن عرفة. وفي العام التالي، بعد أن أعلنت فرنسا وإسبانيا نهاية الحماية على المغرب، أعلن نفسه ملكًا، كما أصبحت منطقة الريف تحت سيادة الملك محمد الخامس. وبعد وفاة الملك محمد الخامس، تولى عرش المغرب ابنه الحسن الثاني، الذي حكم البلاد لمدة 38 عاما، قبل أن يخلفه حفيده محمد السادس عام 1999.
كان عهد بن عرفة القصير الذي دام عامين حافلًا بالأحداث. وفي 24 ديسمبر 1953، انفجرت سيارة بالسوق الرئيسي بالدار البيضاء، مما أسفر عن مقتل 18 شخصا وإصابة 40 آخرين، بينهم أوروبيون.
ومنذ عام 1954 فصاعدًا، تصاعدت وتيرة العمل المسلح، حيث تم استهداف باشا مراكش في أحد مساجد المدينة في 20 فبراير من نفس العام، كما تعرض الحاكم العام الفرنسي أوغستين غيوم أيضًا لمحاولة اغتيال في 24 مايو.
وفي يونيو/حزيران 1954، عينت فرنسا مديرا عاما جديدا، فرانسيس لاكوست، الذي حل محله جربر جرادفال، الذي تعرض لهجوم عند وصوله إلى المغرب وقتل ستة أشخاص في يوليو/تموز 1955.
وسرعان ما تم نسيان عهد محمد بن عرفة باعتباره فترة انتقالية غير ناجحة في التاريخ المغربي. بعد ترك منصبه، عاش محمد بن عرفة حياة منسية إلى حد كبير بين فرنسا ومصر. وظل بعيدا عن الحياة الرسمية المغربية. ولم يحصل على اعتراف رسمي من الدولة المستقلة ولم يتم ذكره قط في المناسبات الوطنية. وظل في نظر المغاربة رمزا للاستعمار ولم يعتبر أبدا السلطان الشرعي. توفي في فرنسا عام 1976 ودفن بعيداً عن وطنه.
ولم يترك محمد بن عرفة أي إرث سياسي أو إصلاحي مهم. بل ارتبط اسمه بعهد الاستعمار وفشل الاستعمار في فرض من يريد على الشعب المغربي.
وقدم محمد بن عرفة مثالاً على أن العقيدة السياسية لا يمكن فرضها بالقوة، وأن الناس يمكن أن يرفضوا أي بديل يفرض عليهم. ورغم أن فرنسا حاولت تقديمه على أنه السلطان الرسمي، إلا أن التاريخ يسجله رمزا لفشل الاستعمار في السيطرة على إرادة الأمة، وهذا الجانب التاريخي يجعل من سيرته درسا في العلاقة بين السلطة والشرعية.
مصدر الصورة, صور جيتي
وكانت فرنسا تراهن على خلق بديل رسمي لشرعية المغرب السياسية والدينية، لكنها فشلت في إدراك أن السلطنة لم تكن مجرد منصب شرفي، بل رمزا للوحدة الوطنية، وأن هذا التصور العام العميق للشرعية جعل من المستحيل فرض شخصية ضعيفة مثل محمد بن عرفة.
ومن ناحية أخرى، يعكس عهد محمد بن عرفة التقاطع بين الدين والسياسة في المغرب. ولم يكن السلطان مجرد حاكم دنيوي فحسب، بل كان أيضًا أمير المؤمنين، أي المرجع الديني الأعلى. ومع رفض معظم العلماء مبايعته، انهار الأساس الديني لحكمه، مما يؤكد أن شرعية المغرب لم تكن مسألة شكلية، بل كانت لها جذور روحية وتاريخية عميقة.
تلخص تجربة محمد بن ألفا مرحلة مهمة من تاريخ المغرب، عندما وصل الصراع بين الاستعمار والحركات الوطنية إلى ذروته. وكانت فترة حكمه قصيرة، لكنها كشفت طبيعة العلاقة بين الشرعية السياسية والهوية الوطنية. ولو أنه قبل العرش في لحظة تاريخية غامضة لما غفر له التاريخ وسيبقى في ذاكرة المغرب شاهدا على فشل مشروع استعماري كامل.
#محمد #بن #عرفة #سلطان #المغرب #اختفى #من #الذاكرة #التاريخية #بي #بي #سي #نيوز




