سياسة

الشباب المغربي.. ما الذي يدفعهم للهجرة؟

وتتناول دراسة الباحث القانوني المغربي زكريا حلاوي لمركز الجزيرة للأبحاث، “هجرة الشباب المغربي وأزمة المستقبل: قراءة في أحداث سبتة، يوليوز 2026″، الآثار التي كشفت عنها محاولات العبور الجماعي نحو مدينة سبتة. تبدأ هذه الدراسة بطرح أسئلة أوسع حول علاقة الشباب المغربي بمستقبلهم ومستوى ثقتهم في فرص تحقيق الاستقرار والتقدم الاجتماعي داخل البلاد، وليس مجرد الهجرة كحركة جغرافية أو كنتيجة مباشرة للبطالة أو ضعف الدخل.

تنطلق هذه الدراسة من التناقض بين ما شهده المغرب خلال العقدين الماضيين: توسع مشاريع البنية التحتية، وتطور مناخ الاستثمار، والرقمنة، والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، واستمرار الهجرة في المخيلة الاجتماعية للشباب الأوسع كمسار نحو الاستقرار والتقدم. وقعت أحداث سبتة في يوليو/تموز 2026، وعلى المدى القصير تحول قرار العبور إلى عمل جماعي، مما يثير التساؤل عما إذا كانت هذه الظاهرة تمثل أزمة هجرة بالمعنى التقليدي أم أزمة ثقة أعمق في المستقبل.

يرجى القراءة أيضا

قائمة من عنصريننهاية القائمة

ويتوقع الباحثون أن تكشف أحداث سبتة عن تغير في العلاقة بين الشباب والدولة، وأنه لم يعد من الممكن الاعتماد فقط على المؤشرات الاقتصادية لتفسير تطلعات الهجرة، بل أصبح من الضروري التركيز على أنظمة التوقعات الاجتماعية والثقة بالمستقبل. لشرح ذلك، سوف نستخدم مفهوم ألبرت هيرشمان عن «الخروج»، ونظرية «التسارع الاجتماعي» لهارتموت روزا، ونظرية «الاعتراف» لأكسيل هونيث، ومفهوم «مجتمع الشبكة» لمانويل كاستيلز.

العقود الآجلة المتخيلة. لماذا يبدو الرحيل أكثر جاذبية؟

وفي حين أن هذه الدراسة لا تنكر أهمية البطالة وضعف الدخل وعدم المساواة الاجتماعية في تفسير الهجرة، فإننا نعتقد أن أحداث سبتة تكشف أن القرارات تتشكل ضمن نظام أوسع يتعلق بكيفية تصور الشاب لمستقبله ومدى إيمانه بقدرته على بناء مسار شخصي واجتماعي لتحقيق تطلعاته.

يقارن الشباب الذين يفكرون في الهجرة بين طريقين: ما يعتقدون أنه يمكنهم تحقيقه داخل مجتمعهم وما يتخيلون أنهم يستطيعون تحقيقه خارج مجتمعهم. تتضمن هذه المقارنة صورة النجاح الاجتماعي، وتجارب من حولك، وتطلعات عائلتك، والرغبة في شق طريق يمنحك مكانة اجتماعية أفضل.

وفي حالة المغرب، تبدو هذه الصورة أقوى لأن تاريخ الهجرة حاضر في تجارب العديد من العائلات والمجتمعات. لقد أصبحت قصص نجاح بعض المهاجرين جزءًا من الذاكرة الاجتماعية وتعمل كنماذج لقياس إمكانية التحول الشخصي. وبعد ذلك، مع ظهور منصات التواصل الاجتماعي، اتسع نطاق هذه المقارنة، مما يضمن تقديم أنماط الحياة خارج المغرب باستمرار للشباب.

تستخدم هذه الدراسة مفهوم “التسارع الاجتماعي” لهارتموت روزا لشرح جانب آخر من الظاهرة. يعيش الشباب في عالم يتسم بالتغير السريع في التكنولوجيا والعمل والاتصالات، لكن مراحل التعلم والحصول على وظيفة والاستقلال وبناء المشاريع الشخصية تظل طويلة. إن الفرق بين سرعة العالم وبطء مسار الفرد يخلق شعوراً بأن الإنسان متخلف في الحياة التي يريدها.

ولذلك، يمكن أن يظهر السفر كوسيلة لتقليل الوقت وكذلك المسافة. الهجرة إلى الخارج تحمل في مخيلة الشباب الوعد بتسريع تحقيق الاستقلال والاستقرار والتقدم. وهكذا أصبحت الحدود في أحداث سبتة بمثابة فاصل رمزي بين زمن الانتظار الذي يعيش فيه الشاب داخل الواقع، والزمن الخيالي الذي يعتقد أنه يستطيع فيه الوصول إلى الخارج.

الصورة من سبتة، ولكن هل تستحق ذلك؟ (فرنسي)

ستصلك رسالة عند مغادرتك

ينتقل البحث من تفسير رغبة الفرد في الهجرة إلى الأهمية الاجتماعية لترجمتها إلى عمل جماعي. وقرأ الباحثون أن حدث سبتة لم يعد مجرد مجموعة من القرارات الفردية، بل اكتسب معنى اجتماعيا نتيجة مشاركة آلاف الشباب في نفس الفعل خلال فترة قصيرة من الزمن.

يستخدم الباحثون هنا نظرية ألبرت هيرشمان حول “الخروج، الصوت، الولاء”. عندما يتناقص رضا الفرد عن مؤسسة أو موقف معين، يمكنه التعبير والمطالبة بالتغيير (‘الصوت’)، أو الانسحاب والمغادرة (‘الخروج’)، أو الاستمرار في العلاقة القائمة (‘الولاء’). ومن هذه الزاوية تصبح الهجرة شكلاً من أشكال «الخروج»، ويصبح الخروج نفسه رسالة تقيم واقع خروج الفرد.

وتضع هذه الدراسة هذا السلوك إلى جانب أشكال التعبير الشبابي الأخرى التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة، مثل الاحتجاجات والمبادرات المتعلقة بالتشغيل والتعليم والعدالة الاجتماعية. يستطيع الشباب التعبير عن الفجوة بين تطلعاتهم والواقع من خلال الاحتجاج في الداخل، أو من خلال السفر إلى الخارج.

ولذلك فإن الحدود لها معنى رمزي. ويصبح خيار الرحيل موقفا واقعيا تجاه الفرص والمؤسسات والمسارات المتاحة. وتصف الدراسة هذا السلوك بأنه شكل من أشكال “التصويت بأقدامك”، حيث يعبر الأفراد عن موقفهم من خلال اختيار المكان الذي يريدون الذهاب إليه، بدلا من مجرد التعبير عن عدم رضاهم لفظيا.

عندما يصبح طريق الاستقلال مغلقا

وتظهر الأبحاث أن قرار الهجرة لا يبدأ مع وصول الشباب إلى الحدود، بل يسبقه تجربة طويلة في التعليم، ومحاولات دخول سوق العمل، والبحث عن الاستقلال الشخصي والاجتماعي. وإذا طالت هذه المراحل ولم يشعر الشباب بأنهم يحرزون تقدماً، فإن مكانة الهجرة كبديل تزداد.

وتظهر البيانات حجم المشاكل في الانتقال من التعليم إلى العمل. ومن المتوقع أن يصل معدل البطالة في المغرب إلى 13.3% في عام 2024، ليرتفع إلى 36.7% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما، و19.6% بين الحاصلين على شهادة جامعية. وترى هذه الدراسة أن هذه المؤشرات تكشف مدى صعوبة تحويل سنوات التعليم والتدريب إلى أمن وظيفي.

لكن الأمر لا يتعلق فقط بالحصول على وظيفة. المدارس والجامعات والحكومة وسوق العمل مترابطة وتحدد رؤية الإمكانيات المتاحة للشباب لبناء مستقبلهم. فعندما تطول فترة الانتقال من التعليم إلى الأمن المهني أو تقل فرص المشاركة والتأثير، تتأثر الثقة في قدرة المؤسسات التعليمية على توفير شروط بناء المستقبل.

وفي هذا السياق، أظهر الاستطلاع انخفاض مستويات الثقة في بعض المؤسسات الوسيطة. وبحسب مؤشر الثقة المؤسسية لعام 2020، بلغت الثقة في الأحزاب السياسية حوالي 22.6%، والثقة في الحكومة 23.4%، والثقة في البرلمان 32.7%. وتثير هذه الأرقام تساؤلات حول قدرة قنوات الوساطة التقليدية على استيعاب تطلعات الشباب وتحويلها إلى أشكال من المشاركة والتعبير المنظمين.

تجمع المهاجرين في سبتة
تجمع للمهاجرين في سبتة (غيتي)

إنها أكثر من مجرد وظيفة…البحث عن التقدير

ولا تعتبر هذه الدراسة العمل كمصدر للدخل فحسب، بل له قيمة اجتماعية ورمزية أيضًا. ويرتبط بالشعور بالاستقلال والامتنان وشعور الفرد بأن جهوده ستقوده إلى وضع أفضل.

هنا تعتمد على نظرية “الاعتراف” لأكسيل هونز. يحتاج الناس إلى الشعور بأن وجودهم وجهودهم وخبراتهم ذات قيمة في أماكن عملهم ومنظماتهم وعلاقاتهم الاجتماعية. عندما يشعر الإنسان بأنه لا يستطيع رؤية طريقه أو أن طموحاته لا تجد صدى، تنشأ مسافة نفسية واجتماعية بينه وبين البيئة التي يعيش فيها.

لذلك، في مخيلات المهاجرين المحتملين، قد يصبح العالم الخارجي ليس فقط مكانًا يمكنهم من خلاله الحصول على راتب مرتفع، بل أيضًا مساحة يتخيلون فيها أنهم يستطيعون إعادة بناء وضعهم الاجتماعي وصورتهم لأنفسهم واكتساب الاعتراف بقدراتهم على الإنجاز.

ومن هذا المنطلق، تفسر هذه الدراسة حقيقة توجه آلاف الأشخاص إلى حدود سبتة في فترة زمنية قصيرة كحدث يثير تساؤلات حول فترات الانتظار الطويلة والطرق المتاحة للشباب، وكذلك تصور العالم الخارجي الذي يمكن أن يوفر لهم الفرص والمكانة. وترتبط الأزمات المستقبلية بقدرة المجتمع على بناء مسارات لا توفر الفرص فحسب، بل يمكن الوثوق بها للسماح للشباب بالانتقال من مرحلة إلى أخرى ومنحهم الشعور بالتقدم.

وسائل التواصل الاجتماعي.. الخارج أصبح حاضرا حتى قبل الرحيل.

وبالإضافة إلى العوامل الاقتصادية والاجتماعية، تضيف هذه الدراسة تأثير البيئة الرقمية في تشكيل تصورات الشباب للعالم الخارجي. ولم تعد المقارنات تجرى فقط بين هذا الشاب وأقرانه في حيه ومدينته، ​​بل بين حياته وتجارب الناس الذين يعيشون في مجتمعات أخرى يراها كل يوم على شاشة هاتفه.

وفي حين أن وجود المهاجرين المغاربة في أوروبا قد أدى بالفعل إلى دمج الوجود الأجنبي في الحياة الاجتماعية للعديد من الأسر، فإن الهواتف الذكية ومنصات الاتصال وسعت بشكل كبير نطاق هذه المعرفة.

تستخدم هذه الدراسة مفهوم مانويل كاستيلز لـ “مجتمع الشبكة” لتفسير هذا التغيير. لقد قللت الشبكات الرقمية من تأثيرات المسافة الجغرافية، مما سمح للشباب بمتابعة تفاصيل عملهم وإسكانهم ودراستهم وحياتهم اليومية في أوروبا وأماكن أخرى.

تؤثر هذه الصور على تقييم الشخص لحياته ومساره الشخصي. ويقارن فرص العمل والاستقلال ونمط الحياة وإمكانيات بناء مشاريعه الخاصة مع ما يراه في الآخرين. ومع ازدياد قدرة العالم الخارجي على توفير الاستقرار والتقدم، تتشكل صورة تجمع بين تجارب المهاجرين الاجتماعية والمحتوى الذي توفره البيئة الرقمية.

تشرح هذه الدراسة جيل الأحداث في سبتة بأنه الجيل الذي كان موجودا قبل أن يصل العالم الخارجي إلى حدوده. بالنسبة لبعض الشباب، بدا الانتقال إلى سبتة بمثابة محاولة للانتقال من صورة الحياة الآخرة إلى تجربة حقيقية، نظرا لقربها الجغرافي من أوروبا، فضلا عن القرب الدائم من البيئة الرقمية.

سبتة.. من القرارات الفردية إلى التحركات الجماعية

وتركز الدراسة على طبيعة المشاركين في حدث سبتة، ولا سيما المشاركة العالية للشباب والمراهقين والقاصرين، وكذلك النساء والفئات العمرية الأخرى. وهذا يدل على أن عدد القاصرين الذين ظلوا في حجز سلطات المدينة تجاوز 860 في الأيام القليلة الأولى، وارتفع بعد ذلك إلى حوالي 1900 قاصر، معظمهم من المغاربة.

وهذا الحضور يضفي على هذه الظاهرة بعدا جيليا. وكان غالبية المشاركين في مراحل انتقالية بين العمل المدرسي والاستقلال، وهي نفس المراحل التي تركز عليها هذه الدراسة عند شرح الأزمات المستقبلية.

ويكشف معدل تكوين حركات العبور أيضًا عن تغيرات في طبيعة السلوك الجماعي. حتى بدون المنظمات التقليدية، يمكن للأفراد أن يجتمعوا بسرعة حول المعلومات والفهم المشترك. وبهذه الطريقة، لا تؤثر البيئة الرقمية على صورة العالم الخارجي فحسب، بل تؤثر أيضًا على كيفية تشكيل الحركات الجماعية نفسها.

تتناول هذه الدراسة الخطاب الرقمي الذي يصاحب الحدث. وقدمت بعض الصور والمقاطع الوصول إلى سبتة على أنه انتصار، لكن بدلا من ذلك ظهرت رسائل تحذيرية تحث الشباب على عدم جعل البحر “مشروع حياتهم” وتؤكد أن إسبانيا وأوروبا ليستا “جنة على الأرض”. تكشف هذه الاختلافات الخطابية المعاني المتنوعة التي يمكن اكتسابها من فعل العبور، بدءًا من الاحتفال بالوصول إلى التحذير من مخاطره، ووصولاً إلى رؤية الهجرة كوسيلة لتحسين الحياة.

ولذلك فإن حدث سبتة المدروس هو حالة معقدة تجمع بين طبيعة الشباب، وسرعة العمل الجماعي، ودور البيئة الرقمية، وتحول الهجرة من قرارات فردية إلى إجراءات جماعية ذات معنى اجتماعي.

مخاوف بشأن موجة ثانية من المهاجرين إلى سبتة
مخاوف من موجة ثانية من الهجرة إلى سبتة (غيتي)

هل هي أزمة هجرة أم أزمة مستقبلية؟

وتخلص الدراسة إلى أن أحداث سبتة لا يمكن تفسيرها بلحظة العبور نفسها. قرار المغادرة قبل الوصول إلى الحدود تكوّن من خلال مقارنات واسعة بين الطرق التي اعتبرها الشاب متاحة له وصورة الحياة التي يريد الوصول إليها.

التركيز على الأزمات المستقبلية لا يعني استبعاد العوامل الاقتصادية. وتظل البطالة وانخفاض الدخل وصعوبات التكامل المهني عوامل أساسية، ولكن تأثيرها يرتبط بكيفية إدراك الشباب للفرص المتاحة لهم وإمكاناتهم للتقدم والاستقلال والترقي داخل المجتمع.

لقد أدت البيئة الرقمية إلى زيادة المقارنات الداخلية والخارجية، في حين أن فترات الانتقال الأطول من التعليم إلى العمل والشعور الأضعف بالتقدم والاعتراف جعلت الخارجي أكثر حضورا في تصور المستقبل.

ولهذا السبب تخلص هذه الدراسة إلى أن أزمة الهجرة مرتبطة بشكل لا يمكن اختزاله بأزمة الثقة في المستقبل. ولا يمكن أن يقتصر التصدي لهذه الظاهرة على ضبط الحدود أو منع المعابر الحدودية، بل يتطلب تعزيز قدرة المؤسسات على الاستجابة لتطلعات الشباب، وبناء طرق موثوقة للتعليم والعمل والاستقلال والحراك الاجتماعي.

ولذلك فإن أحداث سبتة تثير السؤال التالي: “لماذا يريد هؤلاء الشباب مغادرة سبتة؟” سؤال أعمق: ما هي الشروط التي تجعل بناء المستقبل داخل الوطن خياراً ممكناً وموثوقاً؟


لمشاهدة الدراسة كاملة (اضغط هنا)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button