صحيفة حزب المغرب.. تراث يمنع الانقراض

تم النشر في 25 فبراير 2019
|
آخر تحديث: 2025/9/29 13:39 (بتوقيت مكة)
صنعاء القويطي – الرباط
أطفال مغاربة يتابعون بفضول شروحات للمراحل التي تمر بها الصحيفة الورقية قبل وصولها إلى قراءها. ويحمل بعضهم ورقة وقلمًا معهم لتدوين الأشياء التي تبدو مهمة بالنسبة لهم. إذا كان لديك أي أسئلة، فلا تتردد في طرحها.
بمقر جريدة الاهرام بالعاصمة الرباطانتقل الأطفال عبر كل قسم، من التحرير إلى الإنتاج إلى المطابع الكبيرة التي كانت تشغل مساحة كبيرة. وتعرفوا على سحر الكلمات وكيفية ترجمتها إلى تقارير وأبحاث وحوارات مطبوعة على الورق.
لقد جاؤوا من الضواحي في زيارة ثقافية نظمتها جمعية الرسالة. وقالت زينب الحفيفي، العضو البارز في الجمعية، للجزيرة نت إن الجمعية تنظم زيارات مماثلة لشركات طباعة الصحف منذ سنوات.
تم هذا العام اختيار أقدم صحيفة في البلاد، صحيفة “العلم”، حتى يتمكن الأطفال من التعرف على تاريخ الصحافة في المغرب وإشباع فضولهم حول هذه المهنة المثيرة.
تأسست صحيفة الأهرام، الناطقة بلسان حزب الاستقلال، عام 1946 وقاومت التغييرات التي شهدتها المؤسسات الإخبارية المحلية والعربية منذ ما يقرب من 70 عامًا.
وعلى الرغم من تراجع صناعة الطباعة في جميع أنحاء العالم، إلا أنها ليست الصحيفة الحزبية الوحيدة التي لا تزال موجودة. وبالإضافة إلى ذلك، هناك أيضاً صحف حزبية أخرى تصدر باللغتين العربية والفرنسية.
وهذه الصحف هي “لوبينيون” التي أسسها حزب الاستقلال عام 1964، و”المنتف” التابعة للجبهة الديمقراطية، و”تحرير الاتحاد” التابعة لحزب الجيش الشعبي الاشتراكي الاتحادي، و”بيان اليوم/البيان” التابعة للحزب التقدمي الاشتراكي.
كما أعادت الحركة (حزب الحركة الشعبية)، والرسالة الوطنية (الاتحاد الدستوري)، وقبل أيام قليلة حزب الطليعة الديمقراطي، نشر صحيفة “الطارق” التي كانت متوقفة منذ عدة سنوات.
تراجع وثبت
بدأت الصحافة مع الحركات الوطنية والأحزاب السياسية، وكانت وسيلة لمواجهة المستعمرين والتعبير عن مواقفهم السياسية. بعد الاستقلال، كانت الصحف الأكثر توزيعًا هي تلك التي تمثل صوت المعارضة.

لكن المشهد الإعلامي تغير في منتصف التسعينيات مع ظهور الصحافة المستقلة وظهور شعارات جديدة مثل الموضوعية وأخلاقيات المهنة.
ويقول نور الدين مفتاح، المدير السابق لجامعة الناشرين المغربيين، إن من نتائج هذا التحول تراجع وسائل الإعلام الحزبية، إلى حد أن بعض روادها تركوا الصحافة لتجربة الصحافة المستقلة. لكن “على الرغم من الأزمة، لا تزال المؤسسات الإخبارية الحزبية موجودة”.
وأدت الثورة التكنولوجية وظهور وسائل الإعلام البديلة إلى تفاقم الأزمة، مما أجبر أصحاب المصلحة على مواكبة الحقائق الجديدة. لقد أنشأوا صفحات على المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي للترويج لخطابهم، لكنهم لم يتخلوا عن جريدتهم المطبوعة التي تحمل اسمهم.
وأوضح مفتاح التناقض قائلا: “ربما تخشى الأحزاب السياسية من الرمزية القوية لهذه الصحف”، مضيفا أن إغلاق صحيفة مثل “الأهرام” التي تأسست عام 1946، هو بمثابة إنكار لتاريخ المؤسسة. إضافة إلى ذلك فإن الصحف الحزبية عليها أعباء اجتماعية وواجبات رسمية، وعلى قادة الحزب ومسؤوليه أن يفكروا مئات المرات قبل إغلاق الصحيفة.
العصر السياسي
إن التعددية الحزبية السياسية لها دائما الأثر الجانبي للتعددية الإعلامية. وهذا، كما يرى الخبير الإعلامي عبد الوهاب الرامي، هو أحد أسباب صمود هذه الصحف واستمرار وجودها في فضاء إعلامي متقلب وجديد.

ومن المرجح أن تستمر هذه الصحف لعدة سنوات أخرى بدعم من الدولة وتمويل آخر من الأحزاب السياسية التي تحمل أسمائها، مثل كعكة الإعلانات التجارية التي يتلقاها قادة الأحزاب عندما يشغلون مناصب حكومية.
وبحسب الرامي، فإن الدولة تريد دعم هذه الصحف. وذلك لأن الصحف تروج للخطاب بطريقة ما. ولذلك، فإن زوال الصحف لا علاقة له بالقراء أو ظروف البيع، بل بإرادة الدولة والأحزاب السياسية، التي تتعلق في الغالب بصناع القرار.
وتكشف أحدث الأرقام الصادرة عن مكتب التحقق من تداول الصحف، مدى هشاشة الصحف الحزبية، التي يتراوح توزيعها اليومي من 350 (المنعطف) إلى 10 آلاف (روبينيون)، في حين يصل إجمالي توزيع الصحف الورقية إلى حوالي 200 ألف يوميا.
ويرى الرامي أنه يجب النظر إلى هذه الصحف من خلال دورها السياسي وليس كوسائل إعلامية. وستستمر الصحف في الوجود طالما أنها تشكل قطب التوازن داخل المجتمع للأصوات الجديدة التي تأتي مع الصحافة الإلكترونية وما يسميه “الأصوات المتداخلة على مستوى شبكات التواصل الاجتماعي”.
دعم متعدد
ويتفق مفتا مع الرامي في أن الوصفة المغربية تقوم على فكرة أن وجود الصحافة الحزبية يضمن وجود التعددية الحزبية والسياسية والثقافية. ولضمان نجاح هذه الوصفة، تتلقى الصحف الحزبية، على عكس المؤسسات الصحفية الأخرى، ثلاثة أشكال من الدعم المالي.

وتعد هذه الصحف، منذ عام 1987، هي الصحف الوحيدة التي حظيت بدعم خاص من رئيس الحكومة للإعلام الحزبي، تحدد قيمته على أساس عدد المقاعد التي فاز بها باسم الحزب، وبسقف لا يزيد على 500 ألف درهم (حوالي 52 ألف دولار).
وكغيرها من الشركات الصحفية المنظمة، تحصل الشركة على دعم مالي من وزارة الاتصالات، الوصية على قطاع الإعلام. وتحدد قيمتها على أساس نفقاتها وتكاليف إنتاج الصحيفة من ورق وأجور وطباعة. وذلك إضافة إلى المساعدات الثالثة التي تصرفها الوزارة نفسها للصحف الحزبية، والتي تسمى دعم التعددية، والتي تبلغ قيمتها 300 ألف درهم (حوالي 32 ألف دولار).
وقال مفتا إنه على الرغم من وجود مصادر تمويل عديدة، إلا أن هذه الصحف ليست متوازنة ماليا بسبب الحملات الاجتماعية واسعة النطاق، وتراجع المبيعات وانخفاض حصة الإعلانات.
مع إعلان الصحف العربية والعالمية عن الإغلاق والتحول إلى العالم الرقمي، تستمر الصحف الحزبية والعاملون فيها في مقاومة التغيرات التي يشهدها قطاع الإعلام والتحديات المرتبطة بالقرائية والمهنية والتدخلات الحزبية في الخط التحريري.
فمنهم من يحاول قدر الإمكان مواكبة المتغيرات التي تحدث الآن، بينما يظل البعض الآخر رهينة الماضي ويعتبر الهروب من مخالب الاستمرارية والانغلاق نجاحا في حد ذاته.




