نصف الناخبين يديرون ظهورهم لاستطلاعات الرأي.. من يحسم انتخابات المغرب؟

وفي انتخابات 23 سبتمبر الجاري، وقبل أيام فقط من توجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس النواب، لا يبدو أن المعركة السياسية تقتصر على عدد المقاعد التي سيفوز بها كل حزب أو اسم الحزب الذي سيتصدر النتائج. هناك معركة أخرى أقل صخبا وأكثر أهمية. إنها معركة لإقناع الأشخاص الذين قرروا عدم التصويت في المقام الأول بأن تصويتهم له معنى.
وفي بلد يشكل الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما حوالي 12% من السكان، فإنهم لا يمثلون سوى حوالي 3% فقط من المسجلين في السجل الانتخابي، وفقا للأرقام الرسمية التي أوردتها رويترز. وبعبارة أخرى، فإن معظم جيل سن التصويت لم يصل بعد إلى المرحلة التي يمكنهم فيها الاختيار بين الحزب والمرشح. إنهم خارج العملية الانتخابية حتى قبل أن تبدأ.
ولا يتعلق الأمر بالشباب فقط. وسجلت انتخابات 2021 مشاركة ما يقارب 50.35% من الناخبين المسجلين، مما يعني أن ما يقرب من نصف الناخبين المسجلين لم يصلوا إلى صناديق الاقتراع.
لكن مهما كان عددها كبيرا فإنها لا تخبرنا شيئا عن صاحبها.
من هو هذا الناخب؟ لماذا لا يسجل نفسه؟ لماذا سيصوت بعض المسجلين، بينما يختار آخرون البقاء في منازلهم؟ هل نواجه لامبالاة سياسية، أم احتجاجًا صامتًا، أم فقدان الثقة في قدرة الانتخابات على تغيير الحياة اليومية؟
ما الذي سيتغير إذا قمت بالتصويت؟
في المقهى، لا يتطلب هذا السؤال شرحا طويلا. أجاب شاب في منتصف العشرينيات من عمره: “لن أصوت”، قبل أن يضيف: “ما الذي سيتغير؟”
هذا السؤال يلخص جزءا من المشكلة أكثر من نسبة المشاركة نفسها. فالممتنعون عن التصويت لا يعارضون بالضرورة الديمقراطية أو الانتخابات. ويقول بعض الممتنعين عن التصويت إنهم لا يعرفون حتى المرشحين في دائرتهم الانتخابية ولا يمكنهم العثور على حزب يمثل مصالحهم، بينما يعتقد آخرون أن النتائج لن يكون لها تأثير فوري على البطالة أو الإسكان أو الصحة أو التعليم.
ووفقا لنتائج استطلاع أجرته مؤسسة أفروباروميتر مؤخرا، فإن حوالي ثلث المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاما فقط يقولون إنهم يثقون في البرلمان ورئيس الوزراء والأحزاب السياسية.
وهنا تتحول القضية من سؤال فني حول معدلات المشاركة إلى سؤال سياسي أكبر. فكيف يمكن للمواطنين أن يقتنعوا بأن الانتخابات هي وسيلة للتغيير إذا لم يتمكنوا من رؤية صلة واضحة بين أصواتهم وحياتهم اليومية؟
الكأس نصف فارغ
وبحسب المعطيات التي شكلت أساسا للتحليل السياسي اللاحق، فقد بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية المغربية 2021 حوالي 50.35%. للوهلة الأولى، قد تبدو هذه النسبة أفضل من النسبة السابقة، ولكن هناك حقيقة أكثر تعقيدا وراء ذلك. وبعبارة أخرى، كلما اتسعت قاعدة غير المشاركين، كلما كانت النتائج السياسية أقل تمثيلاً للمجتمع ككل وأكثر تمثيلاً لاختيارات أولئك الذين أدلوا بأصواتهم.
هذه ليست مجرد مشكلة في الرياضيات. ويولي النظام الانتخابي نفسه أهمية لعدد المسجلين. منذ إصلاح 2021، يتم الآن حساب الحصة الانتخابية على أساس عدد الأشخاص المسجلين في القوائم، وليس فقط عدد الناخبين. وهذا يسمح للناخبين الغائبين بالتأثير بشكل غير مباشر على كيفية تخصيص المقاعد.
وبعبارة أخرى، فإن المواطنين الذين لا يصوتون لا يختفون تماماً من المعادلة السياسية. لكنه يتخلى عن إمكانية التأثير المباشر على الاختيار.
جيل لا يتراجع عن أي شيء رغم شعوره بعدم الثقة
ومن المفارقات أن الابتعاد عن الحفلات لا يعني بالضرورة إبعاد الشباب عن الحياة العامة. في السنوات الأخيرة، أصبح الشباب أكثر انخراطا في الأنشطة الاجتماعية والاحتجاجات والمناقشات الرقمية، لكن المشاركة الحزبية والانتخابية لا تزال غير جذابة لقطاعات من الشباب.
تظهر التطورات الأخيرة على الساحة الانتخابية أن الاحتجاجات التي يقودها الشباب والتدفق الجماعي إلى سبتة يعكس حالة واسعة النطاق من عدم الرضا عن فرص العمل والخدمات والآفاق المستقبلية. وقال محمد مصباح، مدير المعهد المغربي لتحليل السياسات، في تصريح صحفي، إن محاولة الوصول إلى سبتة بشكل جماعي تمثل شكلا جديدا من أشكال الاحتجاج الاجتماعي، وبالنسبة لبعض المشاركين، تمثل “خروجا حقيقيا” عن السياسة المغربية.
هناك تناقض هنا. قد يكون هذا الشاب سياسياً أكثر مما يبدو، لكن هذا لا يعني بالضرورة السياسة في صناديق الاقتراع. فهو يناقش الأسعار، وينتقد المدارس والمستشفيات، ويتتبع سجلات الهجرة والفساد والتوظيف، ويشارك في نقاشات على شبكات التواصل الاجتماعي، لكنه قد لا يعتبر الأحزاب السياسية الأدوات المناسبة لترجمة هذه المواقف.
البطالة… عندما يصبح المستقبل قضية في الانتخابات
ومن الصعب فصل موقف الناخبين الشباب عن وضعهم الاقتصادي. ويبلغ معدل البطالة بين الشباب في المغرب حوالي 27%، وفقا لتقارير وسائل الإعلام، في حين وضعت الأحزاب السياسية فرص العمل والإسكان والدخل المنتظم و”العمل اللائق” في مقدمة وعودها الانتخابية. ويمضي الحزب الحاكم أيضًا قدمًا في وعوده بتوفير مليون فرصة عمل واستثمارات ضخمة في البنية التحتية استعدادًا لكأس العالم 2030.
لكن المشكلة ليست في نقص الوعود. المشكلة هي أن بعض الشباب سمعوا وعود الحملة الانتخابية. لذلك، لا يكفي مجرد القول بأن المرشح لديه برنامج توظيف. والأسئلة التي يطرحها الناخبون غير المقتنعين قد تكون أبسط وأكثر صعوبة. “متى سيحدث شيء كهذا في حياتي؟”
الأشخاص الذين لا يصوتون ليسوا بالضرورة “غير مبالين”
في حين أنه قد يكون من الأسهل وصف جميع الممتنعين عن التصويت بأنهم “غير سياسيين”، إلا أنه ليس بالضرورة الأكثر دقة.
هناك اختلافات بين الثلاثة. الشخص الأول لا يعرف شيئاً عن الانتخابات وليس له مصلحة فيها. أما الشخص الثاني فهو على علم بالانتخابات والأحزاب السياسية، لكنه لا يعتقد أن هناك فرقاً كبيراً بينهما بما يكفي لتبرير الذهاب إلى صندوق النقد الدولي. هناك شخص ثالث يعرف ويهتم، لكنه سيقاطع التصويت كموقف احتجاجي سياسي. ولعل الرابع هو الأكثر أهمية من الناحية الانتخابية. الأشخاص الذين يريدون التصويت ولكنهم غير مسجلين في السجل الانتخابي على الإطلاق.
بالنسبة للفئة العمرية 18-24، يبدو أن قضايا المغرب مرتبطة بقوة بتسجيل الناخبين، وهي الخطوة الأولى في انخراطهم في السياسة. وبحسب البيانات الرسمية فإن نسبة هذه الفئة لا تتجاوز نحو 3% من المسجلين، رغم أنها تمثل نحو 12% من سكان البلاد. وهذا يعني أن السؤال «لماذا لم يصوت الشباب؟» سيتم الإجابة عليه. وفي بعض الحالات، قد يكون الوقت مبكرًا جدًا. والسؤال الأدق هو لماذا لم يشارك بعضهم في العملية الانتخابية أصلا؟
الثقة هي عقدة
في النهاية، قد لا يكون هذا التردد مجرد مسألة تعبئة انتخابية، بل هو أيضاً مسألة ثقة. تكشف أحدث بيانات مقياس الأفروباروميتر عن العلاقة المعقدة بين المواطنين والمؤسسات السياسية في أفريقيا. وترتبط الثقة في المؤسسات بمدى شعور الناس بأن المجال السياسي يؤثر عليهم ويسمح لهم بالمشاركة. وفي المغرب، تظهر البيانات الصادرة عام 2026 أن ثقة الشباب بالبرلمان والحكومة والأحزاب السياسية ضعيفة.
وفي استطلاع سابق حول الانتخابات المغربية، قال أغلبية المشاركين إن المال يؤثر على نتائج الانتخابات، وهي علامة أخرى على أن جزءا من المشكلة لا يتعلق بصورة المرشحين فحسب، بل بالعملية الانتخابية نفسها.
وبالتالي فإن الامتناع عن التصويت يمكن أن يكون رسالة سياسية، حتى لو كان غير منظم أو غير معلن. ويقول الناخبون بهدوء: “لا أعتقد أن هذا الاختيار سيغير أي شيء بالنسبة لي”.
حفل أقيم أمام “الناخبين الذين لا يستطيعون الانتظار لفترة أطول”
ومن المفارقات أن الأطراف المغربية تبدو وكأنها تدرك خطورة المشكلة. وتسعى الحملات الحالية إلى الوصول إلى الشباب من خلال التوظيف والإسكان والدخل، وكذلك استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والبث الرقمي للوصول إلى جماهير الشباب. لكن التواصل مع الناخبين الشباب لا يبدأ بالضرورة بمنصات رقمية جديدة.
وربما يبدأ الأمر بسؤال أكثر جوهرية: هل تشعر هذه الأمة أن صوتها مسموع في كل انتخابات؟ إن الناخبين الذين يستمعون لممثليهم فقط أثناء الحملات الانتخابية قد ينظرون إلى الانتخابات على أنها أحداث موسمية وليست علاقات سياسية مستمرة. وهنا تتحول الانتخابات من مسألة «الإقبال يوم الانتخابات» إلى مسألة العلاقة الكاملة بين الشعب والنظام السياسي.
جيل لا يريد حياة سهلة
وفي مواجهة الخطاب الذي يصور الشباب في بعض الأحيان كجيل يسعى إلى حلول سريعة أو غير راغب في اتخاذ إجراءات، فإن البرامج الانتخابية نفسها تضع مجموعة من القضايا على الطاولة.
على سبيل المثال، أعطى حزب الأصالة والمعاصرة المغربي الأولوية لقضايا الإسكان والدخل المنتظم والعمل اللائق في برنامجه، في حين ركز الحزب الحاكم على الوظائف والاستثمار والبنية التحتية.
لكن المسافة بين المطالب والوعود تظل كبيرة. إن الشباب الذين يعانون من البطالة لا يحتاجون فقط إلى معرفة أن حزبهم المفضل سوف يخلق “مليون فرصة عمل”؛ يريد أن يعرف: أين؟ متى؟ لمن؟ وما نوع العمل الذي تقوم به؟ قد تبدو هذه الأسئلة تقنية، لكنها في الأساس أسئلة تتعلق بالثقة.
الأمر لا يتعلق بالصندوق فقط
وقد يكون من الخطأ اختزال أزمة المشاركة في مطالبة الناس بالتصويت. لا تجرى الانتخابات في يوم التصويت فقط.
تبدأ المشاركة السياسية بالتسجيل، ثم التعرف على المرشحين، ثم فهم البرنامج، ثم القدرة على الاختيار الحر، ثم القدرة على مراقبة أداء المنتخبين، وأخيرا القدرة على محاسبة المرشحين في الانتخابات المقبلة.
ومن هذا المنظور، فإن الأشخاص الذين لم يصوتوا في عام 2026 ليسوا بالضرورة “مشكلة” تحتاج إلى حل.
ربما هذه هي النتيجة. ونتيجة لعلاقتهما السياسية السيئة، لم يتمكنا من إقناعه بأن وجوده في العملية الانتخابية سيحدث فرقا.
الأسئلة التي تبقى بعد 23 سبتمبر
وستُعرف أرقام المشاركة الرسمية بمجرد إغلاق مراكز الاقتراع مساء يوم 23 سبتمبر/أيلول. وسيتساءل الجميع: من فاز؟ كم عدد المقاعد التي فاز بها كل حزب؟ ومن سيشكل الحكومة؟
ولكن هناك رقم آخر يستحق المتابعة. كم عدد المغاربة الذين كان بإمكانهم التصويت لكنهم لم يفعلوا؟ ولا يمكن لهذا العدد أن يفوز بمقاعد في الكونجرس، أو أن يظهر في صور المرشحين الفائزين، أو أن يتحدث تحت قبة مجلس العموم.
ومع ذلك، فإنه سيواصل حضوره على الساحة السياسية. وذلك لأن الانتخابات لا تتعلق فقط بمن يختار الحزب السياسي أو المرشح. كما أنه يقيس، ولو بشكل غير مباشر، عدد الأشخاص الذين ما زالوا يعتقدون أن الاختيار في حد ذاته له قيمة.
ورغم أن الشباب يشكلون جزءاً مهماً من سكان المغرب، إلا أنهم ممثلون تمثيلاً ناقصاً في تسجيل الناخبين، لذا لا يبدو أن المعركة الحقيقية تبدأ عند صناديق الاقتراع. لقد بدأ الأمر منذ زمن طويل، عندما سأل شاب مغربي نفسه: “لماذا يجب أن أصوت؟”
إذا لم يتم العثور على إجابة مرضية، فلا داعي لإعلان المقاطعة. ويكفي أنه لا يذهب.
عرض الأخبار ذات الصلة




