مجتمع

سياسيون في الحملة الانتخابية و”حاصبية الكهف”.. القصة الصادمة لامرأة مسنة من آسفي أشبعتها جوع التراب – صوت المغرب

وفي الوقت الذي تملأ الوعود الانتخابية الجدران وكلمات الكرامة والعدالة الاجتماعية والمستقبل الأفضل يتردد صداها في الساحات، تعيش قصص أخرى بعيداً عن ضجيج الميكروفونات وأضواء الانتخابات. القصة لا تحتاج إلى حملة انتخابية طويلة أو خطابات كثيرة لكي نفهمها، لأن تفاصيلها تلخص المشكلة برمتها: كيف يمكن لشخص تجاوز الثمانين من عمره أن يعيش وحيدا في كهف مغربي في القرن الحادي والعشرين؟

هناك، بعيداً عن المدينة وضجيجها، تقضي مي حسبي سنواتها الأخيرة في مكان لا يشبه المنزل إلا كمكان للجوء. سنوات من الإجهاد الجسدي والفقر والعزلة جعلتها تواجه قسوة الصمت اليومي، بينما يواصل العالم خارج كهفها الحديث عن الوعود والأرقام والمستقبل.

في أعقاب الحملة الانتخابية لمشروع قانون 2026، وبينما تمتلئ شوارع المدن والقرى بصور المرشحين وتتواصل المسيرات والمسيرات الواعدة بمستقبل أفضل وحياة تضمن الكرامة والعدالة الاجتماعية، نشر موقع آسفي كود قصة إنسانية مفجعة تدور أحداثها خلف دوارات جماعة غايات بولاية آسفي. وتقع أحداث الفصل خلف دوار في منطقة غايات بولاية آسفي، حيث تعيش الأم حاصبية. كانت الطفلة البالغة من العمر 8 سنوات في الكهف الذي كان منزلها لسنوات عديدة، بعيدًا عن أضواء المدينة واللغة المحلية. يقضي الناشطون أيامهم في أماكن خالية من أبسط شروط الحياة.

واختارت الأم حسبية المغارة ملجأً لها. أو ربما لم يكن اختياراً بكل معنى الكلمة، بل نتيجة رحلة طويلة من الوحدة والفقر والظروف الاجتماعية الصعبة. ومع مرور السنين، أصبح المكان جزءًا من حياتها، وأصبحت تعرف كل التفاصيل وتتنقل بسهولة. لقد كانت معتادة على العيش في مكان لا يشبه المنزل الذي نعرفه، لكن الاعتياد عليه لم يجعل المشهد أقل قسوة.

ويخلو الجزء الداخلي من كل التفاصيل تقريباً التي جعلت من المكان منزلاً بالمعنى التقليدي. لا توجد كهرباء لإضاءة الداخل المظلم، ولا غاز للمساعدة في الطهي إذا توفر الطعام، ولا حماية من الطقس القاسي. لا تعتمد حياة مي حسبية اليومية إلا على قطع من القماش، وأشياء بسيطة، وموقد خشبي. من ناحية أخرى، بعد أن عاشت هنا لسنوات عديدة، تعلمت كيفية التعامل مع قسوة الحياة بأقل الوسائل.

تبلغ مي حسبية أكثر من 80 عامًا، لكن ذلك لا يمنحها راحة البال التي ينبغي أن تتمتع بها بعد عقود من العيش. لقد أثقل جسدها سنوات من الإجهاد، ومع ذلك لا يزال يتعين عليها مواجهة تحديات الحياة اليومية.

تقول امرأة مسنة أن والديها ماتا بينما كان إخوتها يعيشون في المدينة، وتركوها وحيدة في هذا المكان. وعندما سئلت من الذي قدم لها الطعام، لم تتحدث عن المعاشات التقاعدية أو الأصول الثابتة، بل تحدثت بصوت يتحدث عن عقود من الفقر والعوز. إنها كلمات قصيرة، لكنها تلخص حياة زائفة مبنية على ما يقدمه الآخرون في ظل غياب تام لضروريات الحياة.

ولعل أكثر ما يلفت النظر في قصة امرأة الحصبة هو أنها لا تتعامل مع الكهف كنقطة طريق في حياتها. لقد عاشت هناك لسنوات، وتعلمت خصوصياته وعمومياته، وبدأت في إدارة شؤونها الخاصة فيه، حيث يتحول المكان من ملجأ مؤقت إلى مساحة يجتمع فيها ألم الحياة والذكريات.

القدرة على الاستمرار ليست بالضرورة دليلاً على أن الحياة محتملة. غالبًا ما يكون هذا مجرد الجانب الآخر من الوحدة الطويلة التي يتعين على المرء أن يتحملها.

لذلك، فإن تكيف هذه المرأة المسنة مع الموقع القاسي لا يجعل حياتها طبيعية هناك، بل يكشف عن حاجة ماسة إلى حياة أكثر أمانًا واستقرارًا وراء صبرها الصامت.

ورغم أن جسدها المسن قد اعتاد على المكان، إلا أن الظروف المعيشية هناك لا تزال تثير تساؤلات مؤلمة حول الرعاية اللازمة للمرأة المسنة التي تعيش بمفردها، ومدى توفر الحماية والرعاية الاجتماعية لمن يعيشون بعيداً عن الخدمات ومراكز المدن.

“يمكن «محسوبة».. خارج حسابات الحملة الانتخابية

تدور أحداث قصة “مي حسبية” في لحظة مختلفة تماما. وخارج المغارة، يعيش المغرب أجواء انتخابية، حيث تنتقل الأحزاب والمرشحون من منطقة إلى أخرى للإعلان عن سياساتهم والسعي لكسب ثقة الناخبين. وفي التجمعات والخطب الانتخابية، يتم تقديم الوعود الوردية بشأن الفئات الضعيفة اجتماعياً، والإسكان، والحماية الاجتماعية، والحد من الفوارق الإقليمية، والتي ترتبط بشكل مباشر بحياة الناس.

لكن “مي حاصبية” تبدو بعيدة كل البعد عن ضجيج هذه الانتخابات، فهي لا تحتاج إلى شعارات كثيرة لتلخيص احتياجات المرء بتفاصيل أساسية بسيطة: مكان آمن للعيش، طعام يدفئ الجسد المرهق، رعاية طبية تراعي عمر الفرد وظروفه.

ولذلك تكتسب قصة هذه المرأة المسنة أهمية تتجاوز حدود وضعها الشخصي. لأن الحديث عن العدالة الاجتماعية والحد من عدم المساواة لا يقاس فقط في الأنظمة الانتخابية، بل أيضا في مدى وصول تأثيره إلى أولئك الذين يعيشون في الظروف الأكثر تطرفا وضعفا.

مي حسبية لا تبحث عن خطابات جديدة، بل عن حلول تأخذ في الاعتبار عمرها ووضعها وارتباطاتها بالأماكن التي عاشت فيها لسنوات طويلة، ومساعدة تحفظ إنسانيتها، وتوفر لها الأمان والرعاية، وتمنع اختزال قصتها إلى مشهد لحظي تنتشر صورته ويتلاشى الاهتمام.

*شيماء الحياني..صحفية متدربة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button