سياسة

إن المغرب يقع في مركز الدعاية المضللة. سبتة تشعل حربا سياسية في إسبانيا

وفي المشهد السياسي الإسباني المعاصر، نادرا ما تقتصر أزمات الحدود على نطاق جغرافي أو إنساني، وسرعان ما تنتقل إلى قلب الصراعات الحزبية في مدريد وتتحول إلى بؤر اشتعال لمعارك سياسية مفتوحة.

ويكشف التناقض الحاد بين الخطابات الأخيرة لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز وخوان خيسوس فيفاس، الذي يسمى رئيس بلدية سبتة، جانبا صارخا من هذه الظاهرة. لم تعد أزمة الهجرة مجرد ملف أمني وإنساني معقد، بل أصبحت أداة تستخدم لتصفية الحسابات الداخلية وإعادة معايرة مواقف المعارضة قبل الانتخابات المقبلة.

بعد مقابلتين تلفزيونيتين أجريتا مؤخراً، تظهر ملامح استراتيجية سياسية تجعل من المملكة المغربية بوابة لتصفية حسابات إسبانيا الداخلية، مع دفع الرباط إلى صدارة النقاش، رغم أن جوهر الصراع يدور بين الحكومة والمعارضة في مدريد. ولذلك يلعب المغرب دور “حصان طروادة” في الخطاب الحزبي. يتم استخدام علاقة حصان طروادة لمهاجمة وإحراج المعارضين السياسيين أكثر من فهم مدى تعقيد أزمة الهجرة نفسها.

اختار عمدة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، المنتمي إلى الحزب الشعبي، منصة برنامج “El Hormiguero” الذي يحظى بشعبية كبيرة على قناة “Antenna 3” لإلقاء خطاب حاد وعدواني ضد المغرب، متجاوزا الخطابات الأمنية التقليدية ومستخدما مفردات أقرب إلى التعبئة السياسية والعسكرية. ووصفت وصول نحو 13 ألف شخص، بينهم قاصرون، بأنه “غزو” و”هجوم هجين” يستهدف المغرب. مدينة.

وبدلا من التعامل مع حركة الهجرة باعتبارها ظاهرة معقدة ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وأمنية، يعيد هذا التفسير صياغتها باعتبارها عداء منظم، في حين يسند المسؤولية المركزية للمغرب، ويصفه بأنه “شريك غير موثوق به”، وفي الوقت نفسه يطالب إسبانيا والاتحاد الأوروبي بتحمل مسؤولية إضافية لتأمين حدودهما.

لكن هجوم فيفاس يتجاوز المغرب، حيث يستخدم الأزمة كمنصة لمهاجمة مصداقية حكومة سانشيز، واتهامها بـ “التقاعس” و”عدم المسؤولية” والخوف من “استفزاز المغرب”. كما أشارت إلى أزمة مايو 2021 وتحذيرات أجهزة المخابرات الإسبانية لتعزيز صورة الحكومة المركزية المترددة وغير القادرة على التعامل بحزم مع قضايا الحدود. وفي هذا السياق، يصبح المغرب أداة للخطاب السياسي الذي يستهدف الحكومة وليس الرباط نفسها.

وبدلاً من البحث عن حلول هيكلية لأزمة معقدة، يهدف هذا الخطاب إلى إحراج الائتلاف الحاكم وإظهاره وكأنه غير قادر على الدفاع عن الحدود والسيادة. كما أن تحويل الأزمة من مجال الأمن والضبط الاجتماعي إلى كلمتي «غزو» و«هجوم» سيعطي المعارضة مادة أكبر للحشد السياسي، خاصة في ظل التنافس مع حزب «فوكس» الذي جعل الهجرة أحد أبرز مواضيع خطاباته. ولذلك يصعب فصل التصعيد ضد المغرب عن حسابات حزب الشعب الانتخابية ورغبته في استعادة زمام المبادرة في مواجهة المعارضة. الأكثر يمينية.

من ناحية أخرى، ظهر رئيس الوزراء بيدرو سانشيز على قناة “لا سيكستا” وقدم قصة مختلفة جذريا. ورفض تحميل المغرب مسؤولية الأزمة أو اختزال ما حدث إلى اتهامات سياسية جاهزة. ودافع عن سيطرة الحكومة على الملف على أساس أنه أزمة إنسانية وأمنية معقدة تتطلب صرامة قانونية وتنسيقا ميدانيا واحتراما لحقوق الإنسان. كما رفض جعل الرباط كبش فداء للأزمة المستخدمة في الصراع السياسي الإسباني.

واللافت في خطاب سانشيز هو دحضه المباشر لرواية “التواطؤ أو التراخي المغربي” في أحداث أواخر يوليو/تموز، مؤكدا أن السلطات المغربية لم تقف مكتوفة الأيدي، بل بادرت إلى تحذير الجانب الإسباني، ومحاولة توجيه الحشود لتجنب كارثة إنسانية، ونشر تعزيزات أمنية واسعة النطاق لضمان انتعاش الغالبية العظمى من المهاجرين. وهذا دليل مباشر على الرواية التي تسعى إلى تقديم أي أزمة حدودية على أنها نتيجة لقرار المغرب المتعمد باستخدام الهجرة كوسيلة للضغط على مدريد.

وتعطي هذه البيانات معنى حقيقيا لهذه الحجة، حيث أن اعتراف إسبانيا الرسمي بوجود تعاون محلي مغربي يجعل من الصعب تأكيد صورة “الشريك غير الموثوق به” التي يروج لها معارضو سانشيز. كما يكشف المسافة بين الحقائق الأمنية على الأرض واللغة المستخدمة في الصراعات السياسية. وفي المعارك السياسية، فهي لغة تتطلب معارضين واضحين وروايات بسيطة يسهل بيعها للناخبين، حتى عندما تكون أزمة الهجرة معقدة للغاية بحيث لا يمكن اختزالها في تفسير حزب أو فصيل واحد.

كما أعاد السيد سانشيز جذور الأزمة إلى عوامل تتجاوز العلاقات الثنائية مع المغرب، حيث تحدث عن التفاوت الاقتصادي بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، فضلا عن المعلومات المضللة الإعلامية المنتشرة عبر شبكات التهريب ومنصات التواصل الاجتماعي، لا سيما فيما يتعلق بحكم المحكمة العليا الصادر في 8 يوليو/تموز. كما تصدى لحملات التشهير ونظريات المؤامرة المرتبطة ببرنامج “بيغاسوس”، واصفا تلميحات زعيم المعارضة ألبرتو نونيز فيجو وآخرين بأنها سيناريو “يستحق مسلسلا على نتفليكس”، في إشارة واضحة إلى ما يعتبره استخداما سياسيا للاتهامات للتشكيك في العلاقة مع الرباط.

ومن خلال التأكيد على أن العلاقات مع المغرب هي “ضرورة استراتيجية” بالنسبة لإسبانيا، حول سانشيز المناقشة من محاولة حزبية إلى منطق الفوائد الدائمة. وتعتبر الهجرة ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر والأمن ومراقبة الحدود والتعاون الاقتصادي ملفات صعبة على مدريد إدارتها دون تنسيق مستمر مع الرباط. وبالتالي، فإن إدراج هذه العلاقة في الحسابات الانتخابية يهدد بالتأثير على هياكل التعاون بين البلدين المرتبطين جغرافياً ولهما مصالح أمنية واقتصادية متداخلة، تتجاوز حكومات محددة.

وهنا تتضح طبيعة الحرب السياسية الدائرة حول سبتة. وذلك لأن سانشيز يعتقد أن التغيير في موقف فيفاس بشأن قضايا الهجرة، وخاصة فيما يتعلق بالاستجابة للملاجئ والمهاجرين، لا ينفصل عن ضغوط القيادة الوطنية لحزب الشعب وصعود خطاب حزب “فوكس”. وفي هذا السياق تتحول كلمات مثل «غزو» من وصف للأحداث إلى أداة انتخابية، ويصبح المغرب وسيلة لاختراق دفاعات الحكومة المركزية. وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بالرباط وحدها، بل يتعلق بسانشيز وموقعه في علاقات القوة في إسبانيا.

ومن عجيب المفارقات أن مدينة سبتة نفسها تقع في قلب شبكة من الاهتمامات اليومية المتعلقة بالمغرب، مما يجعل الحجج المتضاربة علناً أكثر تعقيداً من الشعارات التي تقال في استوديوهات التلفزيون. فالجغرافيا ليست جزءاً من الحسابات الانتخابية، ولا يمكن إدارة الحدود بالخطابات وحدها، والتعاون الأمني ​​بالقرب من سبتة ومضيق جبل طارق يتطلب قنوات اتصال ستعمل حتى في حالة تصاعد الصراع السياسي في مدريد.

وتكشف مقارنة خطاب السيد فيفاس مع خطاب سانشيز عن اختلافات كبيرة في تصورات العلاقات مع الجيران الجنوبيين. وبينما يدعو الخطاب الأول إلى لغة التهديد ويجعل أزمة المهاجرين جزءا من التعبئة الداخلية، يبدأ الخطاب الثاني باعتبار الشراكة مع الرباط مصلحة إسبانية لا ينبغي التضحية بها في نزاع انتخابي. وهذا لا يعني أنه لا توجد خلافات بين البلدين أو أنه لا توجد ملفات سرية، بل أن إدارة هذه الملفات تختلف جوهريا عن استخدامها كمادة للدعاية الحزبية.

وفي حين أصبحت أزمة سبتة بمثابة أرض اختبار للصراع السياسي في إسبانيا ذاتها، ومرآة توضح كيف يمكن لقضايا حساسة مثل الهجرة أن تنتقل في غضون أيام من الحدود إلى استوديوهات التلفزيون، ومن التغطية الأمنية إلى الحملات الحزبية، فقد وُضِع المغرب في قلب الدعاية المحلية التي لا تعكس بالضرورة طبيعة التعاون القائم أو الحقائق التي تعترف بها الحكومة الإسبانية نفسها.

والأخطر من ذلك أن تحويل جارة استراتيجية إلى هدف دائم للصراع الداخلي قد يمنح بعض القوى السياسية ميزة انتخابية مؤقتة، إلا أن مصالح أسبانيا سوف تكون لها الأسبقية على الحسابات القصيرة الأمد. وبحسب التفسير الذي قدمه رئيس الوزراء الإسباني نفسه، يبدو أن القتال الذي كشفته أحداث سبتة هو في الأساس إسباني، لأن المغرب كان متعاونا في احتواء الأزمة، وليس متفرجا. أما المغرب، فقد عاد اسمه إلى الظهور وسط توترات حزبية يستخدم فيها المهاجرون لإيذاء معارضي مدريد بدلا من فهم ما يحدث على حدودها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button