بنكيران لا يمثل 40 مليون مغربي.. وفلسطين ليست صندوقا للانتخابات

عندما وقف عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، في احتفال انتخابي وأعلن أن الملك محمد السادس سيقطع العلاقات مع إسرائيل إذا أصبح من الواضح أن المغاربة يرفضون العلاقات مع إسرائيل، صاغ ذلك بطريقة توحي بأنه لا يعرض مجرد موقف سياسي مثير للجدل، بل يعبر عن رأي شعبي واسع، مما يجعل قضية معقدة للغاية جزءا من صراعه الانتخابي مع المعارضة، ويدعو أنصاره بوضوح إلى الدعوة إلى إنهائه. وقام بتحسين العلاقات وربط منافسته السياسية بما أسماه “التغلغل الإسرائيلي” في المجتمع والمؤسسات.
من حق بنكيران أن يعارض العلاقات مع إسرائيل، ومن حق حزبه أن يجعل ذلك جزءاً من سياسته، لكن المعارضة السياسية تختلف عن احتكار التعبير عن الرأي الشعبي. الشعب المغربي ليس منتميا إلى حزب العدالة والتنمية أو الجمهور المجتمع في خطاب بمراكش، بل أكثر من 40 مليون شخص بتقييمات مختلفة للمصالح الوطنية، بعضهم يرفض السياسات الإسرائيلية ويدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني، بينما يعترف في الوقت نفسه بأن إدارة علاقات المغرب الخارجية تقع ضمن اختصاص الدولة ومؤسساتها. فهو يتطلب توازناً دقيقاً يتجاوز المشاعر والشعارات.
من يمثل المغاربة؟
إذا كان بنكيران مقتنعاً حقاً بأن موقفه يعكس إرادة أغلبية المغاربة، فعليه أن يسمح له بالذهاب إلى صناديق الاقتراع، وبمجرد حصول حزبه على ثقة أغلبية واضحة، عليه أن يقدم برنامجه إلى الأجهزة الدستورية. فهو يحتاج إلى أساس انتخابي واضح للتحدث كما لو أن عامة الناس أعطوه تفويضاً شاملاً للتحدث نيابة عنهم. لأن قيادة حزب سياسي وتمثيل قسم من الناخبين لا يعطي صاحبه حق التحدث بلغة الوطن كله، ولا يبرر تقسيم السكان إلى وطنيين و”مطبيعين” أو خدام مصالح. ومن ناحية أخرى الأجانب.
وهنا تظهر مفارقة يصعب تجاوزها في مسار حزب العدالة والتنمية. واستؤنفت العلاقات بين المغرب وإسرائيل في ديسمبر 2020، عندما كان الحزب يتولى الحكومة، ووقع الأمين العام للحزب آنذاك سعد الدين العثماني على الإعلان الثلاثي نيابة عن الحكومة المغربية. يومها لم يقدم وزراء الحزب استقالاتهم، ولم ينفصل الحزب عن أغلبيته، ولم يعتبر استمراره في السلطة تخليا عن فلسطين. واليوم، ومع اقتراب حزب المعارضة من العملية الانتخابية، أعيد الملف. وهو أن يقود الخطاب السياسي ويصبح عنواناً للمواجهات مع المعارضة.
هل تغيرت المبادئ، أم تغير موقف قوة الحزب؟
إن السيد بنكيران، الذي شغل سابقاً منصب رئيس الحكومة، يعرف أكثر من أي شخص آخر أن السياسة الخارجية ليست خطبة مثيرة أو مزاد أخلاقي. وهو يعلم أن القرارات السيادية لا تعتمد على صخب برنامج ما، بل على تقييم المصالح الوطنية، والأمن، والسلامة الإقليمية، وشبكات العلاقات الدولية. كما يعلم أن المغرب لم يتخل عن موقفه المعلن الداعم للحقوق الفلسطينية، وأن رئاسة الملك للجنة القدس تندرج ضمن مسؤولياته المؤسسية الواسعة. ولذلك فإن النقاش الجدي لا يدور حول رفع سقف الشعارات، بل يدور حول العواقب. العلاقة وتكاليفها وفوائدها وحدودها وما حققته أو فشلت في تحقيقه لصالح المغرب.
فالخارجية ليست شعاراً انتخابياً
ومن الجائز سياسيا انتقاد مخرجات هذه العلاقات، والمطالبة بالضمانات والشفافية، ورفض أي تأثير يمس السيادة المغربية، لكن تحويل القضية الفلسطينية إلى أداة لمهاجمة المنافسين أمر آخر. بل إن بنكيران ذهب إلى حد مطالبة زعيمة حزب “الحداثة الحقيقية” فاطمة زرعة المنصوري بإعلان “براءتها” من تصريحات الناشر المغربي أحمد الشرع، وربط موقفها من تلك التصريحات بالتصريحات السياسية المتعلقة بإسرائيل. وهنا يتحول النقاش من مناقشة السياسات والمواقف إلى متابعة النوايا وربط الصراعات الحزبية على مقياس الوطنية.
وحتى لو كان مبدأ السيادة لا يسمح بازدواجية المعايير، فإن القضية تصبح أكثر تناقضاً لأنه بينما يحذر بنكيران من “التسلل” الإسرائيلي، فإن خطابه أقل تأثراً بالحركات السياسية الإسلامية العابرة للحدود الوطنية. وإذا كان النفوذ الخارجي مرفوضا لأنه يؤثر على استقلالية اتخاذ القرار في الدولة، فيجب رفضه أيا كان مصدره، سواء تعلق الأمر بإسرائيل أو التنظيمات السياسية الإسلامية أو المحاور الإقليمية التي تسعى إلى توسيع نفوذها السياسي والأيديولوجي داخل المنطقة.
فالسيادة لا تتجزأ، ومن يرفض تحويل المؤسسات المغربية إلى مناطق نفوذ إسرائيلية عليه، بنفس القدر من الوضوح، أن يرفض إخضاع المغرب لأي مرجعيات خارجية، سواء جاءت من منظمات عابرة للحدود الوطنية، أو من محاور جهوية، أو من مجموعات تعطي الأولوية للانتماء الأيديولوجي على الانتماء الوطني. وليس صحيحاً أن «التسلل» يصبح خطيراً عندما يأتي من الطرف الآخر، لكنه يفقد خطورته عندما يأتي من أطراف متقاربة فكرياً أو عقائدياً.
القضية الفلسطينية أوسع من أي منظمة فلسطينية بعينها. فلسطين أقدم من حماس، وعمرها أطول من أي منظمة أو طائفة. إن انتقاد خيارات حماس أو تحميلها المسؤولية السياسية جزئياً عن القرارات التي دفع المدنيون ثمنها لا يعفي إسرائيل من المسؤولية عن قتل المدنيين أو إنكار الحقوق الفلسطينية. بل يعني رفض اختزال الأمة كلها في كيان واحد، ورفض تحويل دماء وألم الضحايا إلى وقود لمزايدات حزبية في الرباط ومراكش.
فالتواصل الأيديولوجي يقوض القضية الفلسطينية كلما ارتبط بمحاور أو صراعات تنظيمية، ويحول الفلسطينيين في بعض الخطابات من أصحاب حقوق وطنية إلى عنصر في صراع إقليمي أوسع يشمل إيران ووكلائها وإسرائيل والولايات المتحدة وقوى أخرى. وكان الأجدر بأي طرف يدعو إلى إنهاء العلاقة أن يقدم رؤية واقعية لتداعيات القرار. كيف سيحمي المغرب حقوق الفلسطينيين، وما هي البدائل الدبلوماسية التي سيقترحها، وكيف سيحافظ على الأمن السعودي والمصالح الاستراتيجية، وكيف سيقيم تأثير إجراءاته على ملفات المغرب الخارجية، وأهمها مسألة السلامة الإقليمية.
ولا يكفي أن نقول ببساطة إن الشعب رفضه. تتطلب السياسة بدائل وتقييمًا للنتائج والتكاليف والعواقب. ويجب على كل من يدعو إلى تغييرات استراتيجية بهذا الحجم أن يشرح للرأي العام ما الذي سيكسبه المغرب، وما الذي سيخسره، وكيف سيواجه العواقب المترتبة على قراراته. وهذا ليس بديلاً عن السياسة عندما يتعلق الأمر برفع الشعارات وإجبار الدولة على دفع ثمنها.
فلسطين ليست مدرجة في حسابات عطاءات الحزب
وباعتباره بطلاً للقضايا الوطنية، كان من الأفضل لبنكيران أن يضع الدفاع عن السلامة الإقليمية للمغرب في مقدمة خطابه كلما ظهرت مطالبات ومواقف انفصالية تمس سيادة المملكة وسلامة أراضيها. إن الدفاع عن فلسطين لا يتعارض مع إعطاء الأولوية لقضايا الوطن الآنية، ولا يتم اختبار الوطنية فقط فيما يتعلق بالأراضي البعيدة، بل تبدأ أيضاً بتوضيح السياسيين مواقفهم من سيادة البلد الذي يمارسون فيه وظائفهم ويسعون إلى الحصول على الأصوات الشعبية.
وفي المجال السياسي المغربي، يُسمح أيضاً لبنكيران وغيره من الجهات الفاعلة بالتعبير عن رفضهم للخيارات الاستراتيجية للدولة، وتنظيم مسيرات، وانتقاد المنافسين، والحكومة، والسياسات العامة. كما يمكن للإسلاميين واليساريين والمعارضين للعلاقات مع إسرائيل استخدام نفس المساحة للدفاع عن مواقفهم. لكن هذه الحرية يجب ألا تصبح وسيلة لتوزيع أدوات الوطنية أو التمرد، أو لإقصاء المعارضين من دائرة الانتماء الوطني بحجة الصراع السياسي.
لا نحتاج إلى من يقرر من هو المغربي الصالح ومن هو المغربي المشكوك فيه، ولا نحتاج إلى شرطة حزبية لمشاعرنا تجاه فلسطين. ويمكن للمغاربة أن يقفوا متضامنين مع الشعب الفلسطيني، ويرفضوا قتل المدنيين، وينتقدوا سياسات الحكومة الإسرائيلية، بينما يدافعون في الوقت نفسه عن استقلال القرار الوطني والمصالح العليا. وهذه المواقف ليست متناقضة، إلا عندما يقتصر النقاش على انقسامات حادة مثل “التطبيع أو ضد فلسطين”.
عبد الإله بنكيران هو زعيم حزب سياسي وليس الناطق الحصري باسم الشعب المغربي. ومن حقه أن يعارض العلاقات مع إسرائيل، وأن يقدم خطة لإلغاء تلك العلاقة، وأن يطلب من الناخبين التصويت عليها. ومن حق خصومه أيضاً مناقشة هذه الخطة وتكاليفها وعواقبها. لكن استخدام اسم الملك للتنبؤ بالقرارات السيادية، أو تصوير أولئك الذين يعارضون الملك على أنهم “مرشحون إسرائيليون” لأنهم لم يتبنوا خطاب الملك، ينقل النقاش من المنافسة السياسية المشروعة إلى معركة احتكار الشرعية الوطنية.
لقد سئم المغاربة من استخدام القضية والمشاعر الجماعية لحل النزاعات الطائفية. مصلحة المغرب ليست في الانتخابات، وفلسطين ليست في صندوق الاقتراع، وهذا البلد أكبر من بنكيران وحزبه وكل معارضيه. ومن يريد أن يتكلم باسم المغاربة عليه أولا أن يحترم تنوع آرائهم وذكائهم واختلاف حقوقهم، وأن يكف عن التصرف وكأن 40 مليون شخص أعطوه تفويضا بالتحدث باسم كل الناس.




